تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما يجدر بنا ذكره هنا أن اللغة العربية وعلومها كانت مزدهرة في العصر المملوكي؛ لأن المماليك كانوا يتعلمونها ويعلمونها أبناءهم ومماليكهم ويشجعونهم على إتقانها والبراعة فيها وفي آدابها وعلومها، كما أسلفنا، فلما جاء العهد التركي ضعفت اللغة العربية، وانحطت آدابها، وتدنت أساليب تدريسها، وسفلت طرائق كتابتها، وقد زعم بعض المؤرخين أن السلطان سليما العثماني أراد حين فتح الشام ومصر أن يجعل اللغة العربية هي اللغة الرسمية بدلا من اللغة التركية وأنه كان مصمما على ذلك، ولكن المنية عاجلته قبل إتمام هذا المشروع الهام حتى قال المرحوم الأستاذ محمد كرد علي: «والغالب أنه نشأ له هذا الفكر يوم افتتح مصر والشام، وخطب له في الحرمين الشريفين؛ فسمي فاتح ممالك العرب، فرأى أن العرب في مملكته أصبحوا قوة لا يستهان بها، وأن الترك وهم عنصر الدولة الأصلي لا يشق عليهم أن يستعربوا، ولو وفق السلطان سليم إلى إنفاذ هذه الأمنية لخلصت الدولة العثمانية في القرون التالية من مشاكل عظيمة، ودخلت في جملة العرب عناصر كثيرة مهمة، ولارتقت اللغة العربية فأضحت الأستانة موطنا لها كما كانت بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة وغرناطة.»

3 •••

أما عن الحالة الاجتماعية: فقد بلغت في مصر أثناء العصر الفاطمي وأوائل العصر الأيوبي درجة رفيعة في الحضارة والرقي والسمو الاجتماعي حتى صارت زعيمة البلاد الشامية والحجازية، وكانت ثروتها نعم المعين لها على نشر هذه الحضارة وتعميم أسباب العلم، ولكن انشقاق الأيوبيين بعد وفاة زعيمهم صلاح الدين وانقسامهم وتقسيمهم مملكة صلاح الدين الواسعة الممتدة من مصر إلى الشام والموصل واليمن والحجاز قد ضعضع تلك الدولة، فاختل التوازن الاجتماعي حينا من الدهر بعد هذه التجزئة، واضطرب حبل الأمن، وباضطرابه اختلت القيم الأخلاقية، وكثرت الدسائس في البلاط الملكي وفي قصور الأمراء، ووصلت هذه الدسائس والفتن إلى صفوف الوجهاء وطبقات الشعب، ولم يأت القرن السابع للهجرة إلا وأسرة صلاح الدين قد جعلت بأسها بينها، فضعفت عصبيتها، واختل نظامها، ورأت أن تستمد قوة من بعض العناصر الأجنبية كالشركس والروم والأتراك والصقالبة ممن دخلوا في الدين الحنيف، وأخذوا يتحينون الفرص لاستعادة سلطانهم المفقود عن طريق الدس أو الاحتيال أو إيقاع الفتن بين صفوف رجال الأسرة الحاكمة أو بين الشعب وطبقاته.

وقد كان لهؤلاء الأجانب أثرهم القوي في الحياة الاجتماعية، وخصوصا حين قوي أمرهم، وأضحى الملوك والأمراء الأيوبيون ألعوبة في أيديهم يصرفونهم كما يشاءون، كما أضحى الشعب مدفوعا إلى تقليدهم والاقتباس من أحوالهم وأخلاقهم، على أن هؤلاء المماليك الأجانب كما أثروا في أهل البلاد، قد تأثروا بهم واقتبسوا كثيرا من أخلاقهم وأوضاعهم، وأحبوا البلاد التي نزلوا فيها، ونذروا على أنفسهم الدفاع عنها من الغزاة الذين أرادوا القضاء عليها كما قضوا على العراق وفارس، والحق أن هؤلاء المماليك كانوا حماة بلاد الشام ومصر من أن يفعل بها المغول ما فعلوه في إيران والعراق، وبخاصة بغداد قلب الإسلام وعروس بلاده، ولهؤلاء المماليك الفضل الأكبر في الإبقاء على سلامة البلاد وإنقاذها من شرور الصليبيين الذين أرادوا أن يفرضوا نظمهم وقوانينهم وأحوالهم الاجتماعية على البلاد، ولكن المماليك أقصوهم وردوهم شر رد.

ولا يسعنا الأمر أن نترك الحديث عن أبناء الشعب على الرغم من قلة المعلومات التي لدينا عنهم في هذه الحقبة، وأغلب الظن أنهم كانوا مسوقين كالقطعان، يعملون على تقليد أمرائهم من الأيوبيين والمماليك؛ لأنهم في نظرهم قد غدوا القدوة الصالحة، على الرغم مما هم فيه من السوء وفساد الخلق، إلا من رحم ربك، وسلمه الحظ إلى مالك كريم النفس علمه الدين والخلق وبعث به إلى حلقات الذكر أو مدارس العلم فتهذبت نفسه وسما عقله، وقد كان لهؤلاء المماليك تقاليد وأحكام وشارات يتميزون بها عن غيرهم، كما كان بطبقتهم أنظمة خاصة بها، وكان لهم طبقات؛ فطبقة شاراتها صور بعض الحيوانات كالأسد والفهد والنمر والصقر والطاووس، وطبقة شاراتها صور الزهور كالزنبق والأقحوان والياسمين والقرنفل، وطبقة شاراتها صور بعض الأدوات الحربية كالسيوف والسناجق والكئوس والمغافر، وكان لكل طبقة قرطق خاص تلبسه ومناطق معينة تتخصص بها في ألوان جميلة مختلفة اختصت كل طبقة بلون خاص.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٧١