تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

ومما هو جدير بالملاحظة أن الديار المصرية والشامية كانتا حافلتين منذ القديم بمعاهد العلم من مدارس ودور كتب، ومن أشهر هاتيك المعاهد في القديم: دار الحكمة التي أنشأها الحاكم بأمر الله بن العزيز بالله في سنة 395ه وحمل إليها الكتب من خزائن القصور الملكية والمساجد القديمة، ووقف عليها ما تحتاج إليه، وعهد بإدارتها إلى جماعة من أهل الفضل يتعهدونها، ويعملون على تثقيف الناس فيها، سواء بمحاضراتهم يلقونها فيها، أو بمناظراتهم بين المترددين إليها، وقد ظلت هذه الدار عامرة بالعلم وأهله حتى دخل صلاح الدين إلى مصر وحولها إلى مدرسة للشافعية.

ومن آثار الفاطميين في مصر أيضا: خزانة كتب الخليفة العزيز بالله، فقد كان محبا للعلم حريصا على تثقيف الناس، ولذلك بنى دارا عظيمة ملحقة بقصره، جمع فيها كثيرا من المؤلفات القيمة في الأدب والتاريخ والحكمة والفلسفة والفقه، وقالوا: إن عدد كتبها بلغ نحوا من مليون وستمائة ألف كتاب، وذكروا أنه كان من بينها كتاب «العين» للخليل بن أحمد الفراهيدي، ونيف وثلاثون نسخة متقنة، منها نسخة عليها خط المصنف، كما كان فيها نيف وعشرون نسخة من «تاريخ الطبري»، ونسخة من كتاب «الجمهرة في اللغة» لابن دريد، وكان العزيز بالله يتردد إليها ويتحدث إلى قيمها، ويناقشه في مسائل العلم وأحوال الكتب.

وأعظم أثر علمي خلد اسم الفاطميين على الدهر هو «الجامع الأزهر» المعمور الذي بناه الأمير جوهر الصقلي بأمر الخليفة المعز لدين الله في سنة 363ه وجعله مدرسة كبرى لتعليم العلم وتهذيب النفس، وأقام إلى جانبه خزانة كتب غنية، وقد ظلت هذه المؤسسة الضخمة عامرة بالعلم، عاملة على نشر المذهب الفاطمي الشيعي إلى أن جاء الناصر صلاح الدين الأيوبي، فحولها إلى مدرسة شافعية، وما زال شأنها يسمو في عصر الأيوبيين حتى درست فيها المذاهب الأربعة واللغة والآداب والرياضيات والفلك، فلما استولى المماليك على مصر زادوا العناية بها، وأكثروا مواردها وعظموا عدد طلابها وشيوخها، كما أنهم وسعوا بناءها، وزادوا أروقتها وبخاصة في عهد الملك الظاهر بيبرس والملك «قايتباي» والملك «قانصوه» الغوري، وقد أضحت هذه المدرسة بل الجامعة العظمى الملجأ الحصين للغة والدين في عصور الانحلال والانحدار، ولم يكن أثر الأزهر الشريف مقصورا على أهل مصر وحدها؛ بل كان المسلمون يقصدونه منذ العصر الأيوبي من كافة أنحاء العالم الإسلامي حتى من بلاد المغرب واليمن والهند وأواسط أفريقيا، وأخذت هذه الصلة تقوى بين الأزهر وبين البلاد الإسلامية حتى أضحى في العصر العثماني مأوى المسلمين وحصنهم المتين في كافة بقاع الإسلام من بلاد الشركس والقفقاس إلى بلاد الهند والأفغان، وقد بلغ عدد طلابه في القرن التاسع للهجرة نحوا من ألف طالب.

2

هذا وقد وقف الأمراء والمماليك كثيرا من دور العلم والعبادة منذ عهد صلاح الدين في الشام ومصر، وقد أكثر هو نفسه من بناء هذه المعاهد في مصر والإسكندرية والقدس ودمشق وحلب وحماه، وخلفه أبناؤه ورجال أسرته فساروا على غراره، ولما جاءت دولة المماليك بعدهم أكثروا من بناء المدارس كثرة واضحة حتى قال المقريزي في خططه: إن مدارس المماليك في الشام ومصر قد بلغت نحوا من سبعين مدرسة ومعهدا للتدريس، ويقال: إن مثل ذلك العدد كان في الأصقاع والولايات التابعة لهم.

وهكذا ازدهرت المدارس، وارتفع شأن العلم في عصر المماليك على الرغم من انحطاط شأن العرب السياسي، فلما جاء الأتراك العثمانيون، واحتلوا الشام ومصر تأخرا من الناحية الثقافية، وبخاصة الناحية الأدبية بشكل بارز، فقد نكب الأدباء والشعراء وتفرقوا في البلاد، وفشت الجهالة وعلى الأخص حين وقعت الفتن والحروب بين الأتراك وبقايا المماليك، فتأخر الأزهر، وانحطت مدارس الشام الكبرى، وهدم أكثر معاهد العلم، وظلت حالة الجهل متفشية في عهد السلطان محمد الثالث، ففي سنة 1004ه بعث إلى مصر محمد باشا واليا عليها؛ فاهتم بالمعاهد الدينية، وأحيا شعائرها، وأعاد بناء «الجامع الأزهر» إلى ما كان عليه، وجعل فيه وظائف يومية من العدس المطبوخ تفرق على الطلبة الفقراء، كما رمم المشهد الحسيني، وأخذ الأزهر منذ ذلك الحين يستعيد نشاطه الفكري، كما شرع رجاله يعنون بنشر العلم والتأليف والوعظ والإرشاد، واستمرت هذه الحالة حتى جاء نابليون وأوجد تلك النهضة المعروفة التي سنتحدث عنها فيها بعد.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٧٠