6
فهل جمعت هذه الآلاف المؤلفة من دنانير الذهب من غير الفلاحين والبائسين، والسوقة المعوزين الذين كانوا يعطون أموالهم عن يد وهم صاغرون.
ومن الأمور التي يلاحظها المرء أثناء تتبعه لحوادث العراق في هذه الفترة أن الأخلاق العامة قد فسدت فسادا بارزا على وجه العموم، فقد كثر الدجالون والأفاكون والأشرار والمفسدون، وخصوصا الذين كانوا يسمون أنفسهم «الشطار» الذين كانوا يعيثون في البلاد فسادا، وينضم إليهم طبقات من الجهال وأهل الاحتيال فيزداد شرهم، ويلقى المستورون وأصحاب السكينة والفضيلة منهم كل شر، وربما فرضوا على بعض الناس الفرائض، وطالبوهم بجعالات وضرائب، فإن دفعوها نجوا من شرهم، وإلا هددوهم بالقتل والحرق، وسلب الأولاد والتعدي عليهم، وكم حرقوا من بيوت وأفسدوا من زروع، ورجال الشرطة وضابطة الأمن وأهل الاحتساب لاهون ساهون، أو أنهم كانوا يخافونهم فلا يستطيعون إيقاف أعمالهم المريبة أو الشائنة، أو الحيلولة دون جرائمهم الشيطانية الغريبة التي كانوا يؤذون بها الناس ويفسدون عليهم أعمالهم، والحق أن موجة الفساد قد انتشرت في البلاد عامة بعد احتلال المغول، فكثر الغش وعم الفساد ومرضت الضمائر، وهذا أمر طبيعي بعد أن تحكم الأشرار في أمور الدولة، وصار الأمناء والمخلصون منزوين، وأضحى الموظفون الشرفاء لا يستطيعون الاستمرار في أعمالهم بما تقتضيه المصلحة العمومية، ولا يستطيعون البقاء في عملهم؛ إما خوفا من الأشرار أو مجاراة لهم، والعواصم والمدن الكبرى في العادة تكون مألفا لهم ولأمثالهم في أيام العزة والسلطان القوي النفوذ، فكيف بها في أيام الفتن والويلات والحروب والسلطان الضعيف الذي يتحكم فيه من لا أخلاق لهم ولا دين يردعهم؟!
أما حالة الأسرة فلم تكن أفضل من غيرها، وقد أخذت كثير من عراها تتفكك، وتسوء بانحطاط شأن المرأة العربية بعد أن حلت محلها الجواري، وطغت عليهن طغيانا فظيعا، وعلى الرغم من أن الجواري قد كن سيطرن على المنزل العربي منذ العهد العباسي الأول بسبب كثرة الرقيق، فإنه قد كان أيامئذ شيء من العزة القومية وقوة الدولة يمنع الناس من الانصهار المطلق في البوتقة الأعجمية، أما في هذا العصر الذي نؤرخه فقد انحل كل شيء عربي حتى لم يكد يبقى له من أثر، وساءت الأسرة، وانحطت عقلية المرأة، وبانحطاطها انحط مستوى أولادها، وفسدت حالاتهم العامة.
أما من ناحية العلم والمعرفة والمشاركة في التوجيهات الاجتماعية والثقافية: فلم تكن حالة المرأة أفضل، بعد أن كانت لها مكانة مرموقة في ذلك منذ فجر العصر العباسي حتى أواخر القرن السادس للهجرة، فكم ظهرت منهن فواضل بوارع في الأدب والعلم والسياسة والحرب، أما في هذا العصر فقد ساءت أحوالها بشكل خطير، وانحصر علمها في حفظ شيء من كتاب الله وبعض المعلومات الساذجة، والإلمام بكثير من الخرافات والجهالات، وهكذا انحط مستواها العقلي، وفقدت سجاياها العربية الكريمة من عزة النفس والاستقلال في التفكير، وصار الرجل يقسو في معاملتها، ويمنعها من الخروج إلى المجامع العامة، ويسدل عليها ستار الجهل، ويشدد عليها في الحجاب والانزواء عن مجالس العلم، وحلقات الأدب، التي كانت تغشاها في العصور السابقة منذ عصر الانبثاق.
الفصل الثاني
| الحالة الثقافية في العراق بعد سقوط بغداد
معلوم أن الثقافة العربية الإسلامية قد ارتقت في العصر العباسي رقيا عظيما في كافة الفروع من دين وفلسفة وطب وأدب وخطابة كما بينا في الجزء الخاص بتاريخ تلك الحقبة الزاهرة، فلقد كانت الجوامع والمدارس ومجالس الخلفاء مهوى قلوب الأئمة العلماء، كما كان للخلفاء العباسيين الأولين فضل كبير في نشر العلم لا في العاصمة الإسلامية الكبرى بغداد وحسب؛ بل في كافة أرجاء دولة الخلافة، أما بغداد: فقد غدت في عهدهم طوال خمسة قرون جنة العالم، سواء في حضارتها أو في معاهدها أو في رجالاتها العلماء الأفذاذ الذين خرجتهم وفاخرت بهم في كافة نواحي العلم والأدب والفن.