تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ظل نفوذ اليهود قويا إلى أن هلك أرغون وقتل سعد الدولة وقبض على إخوته وقتلوا شر قتلة، ولما تم هذا العمل، وتخلص الناس من شرورهم انتهزت العامة هذه الفرصة فأقدمت على دكاكين اليهود وبيوتهم فأحرقتها، وبلغت هذه الأخبار سائر مدن العراق؛ ففعل الناس فيها ما فعله أهل العاصمة بيهودها، وقد حفظ لنا التاريخ مقطوعات تتضمن استياء عامة الناس وخاصتهم من أعمال هؤلاء المجرمين، وإليك بعض هذه المقطوعات:

يهود هذا الزمان قد بلغوا

مرتبة لا ينالها فلك

الملك فيهم والمال عندهم

ومنهم المستشار والملك

يا معشر الناس قد نصحت لكم

تهودوا قد تهود الفلك

فانتظروا صيحة العذاب لكم

فعن قليل تراهم هلكوا

فأنت تقرأ من وراء كلمات هذه المقطوعة شدة نقمة الناس، لا على اليهود؛ بل على أولئك القادة والأمراء والملوك الذين قدموهم، واستعانوا بهم، وأبلغوهم معالي الأمور وأعالي الرتب حتى صار الملك ومستشاره وقواده طوع أيديهم، فلا سبيل للناس إلا أن يتهودوا بعد أن تهود الكون والفلك نفسه، ولكن أنى لهم أن يعلوا والله سبحانه قد أذلهم، ولا بد للناس من أن يأتيهم نصره، ويأخذ اليهود المجرمين أخذ عزيز مقتدر، فقد كتب عليهم الذل والمسكنة وباءوا بغضب منه، ولن يكون حالهم اليوم في دويلتهم الهزيلة التي أوجدوها في فلسطين الحبيبة، إلا كحالهم بالأمس فلن يقوم لهم ملك، ولن تنتظم لهم دولة مهما تعالوا ومهما سموا.

ذلك ما كانت عليه العاصمة الإسلامية - بغداد - وذلك ما كانت عليه مدن الدولة العباسية من أقصاها إلى أقصاها قبل دخول التتار، وعقبه من تحكم السوقة واليهود وأبناء الجمالين والبراجين في أمور الدولة.

أما حالة الشعب من عري ونوائب صحية وطواعين وأوبئة وفقر وجهل، فحدث بها بما شئت ولا حرج، وقلما كانت تمضي خمس سنوات دون أن يحدق بالبلاد جميعها طاعون أو وباء، أو أن تصيبها جائحة سماوية تأتي على الأخضر واليابس، وترتفع الأسعار، ومن أفظع ما حدثنا التاريخ به عن هذه الحقبة ما حدث سنة 684ه فقد غلت أسعار الخبر غلاء فاحشا حتى بيع كل ثلاثة أرطال بدرهم، وحتى باع الفقراء أولادهم وبناتهم، وألقت النساء بنفوسهن في دجلة من الجوع، وقد حدثنا التاريخ أيضا أن امرأة جاعت وجاع أولادها، وسألت الناس فلم يعطوها شيئا، فوضعت نفسها وأولادها في جوالق ودفعته إلى دجلة فالتهمه، وقد استمرت هذه الحال نحوا من سنة حتى أكل الناس عروق القصب والبردي وأوراق الحلفاء وأعشاب الأرض،

5

وقد قاسى العامة بل الخاصة من الويلات ما يشيب الطفل من روايته فكيف بالوقوع فيه، ولم تكن تلك حالة عابرة مرت على العراق أيام فتنة هولاكو ثم ذهبت بذهابه، بل إنها كانت كثيرا ما تقع بين الفينة والفينة، وليس هذا بغريب بعد أن تحكم التتار في البلاد، واستولوا على خيراتها، وقضوا على موارد الثروة فيها، ولما ذهبوا عن البلاد خلفهم التركمان، ولم يكونوا إلا أسوأ حالا وشرا في أفعالهم، فقد رأيت في القسم السياسي من هذا الكتاب أن كثرة السلاطين التركمان من البايندرية والبارانية كانت لا تعرف الرحمة ولا تحس بآلام الشعب، وإنما كان همها أن تأكل في صحاف الذهب، وتتمتع بما تستطيع من المتع، وعلى الشعب العربي النبيل أن يتحمل، وأن يقدم لها ولأمرائها وحاشيتها من شذاذ الآفاق الذهب والفضة والطعام والشراب والكساء والزينة، ولو حرم الشعب من ضروريات الحياة، فكم ماتت أطفال من الجوع، وكم استعبدت شريفات من الفاقة، وكم اشتغل فلاحون وحصادون حتى يقدموا للأمير أو الوزير المغولي أو التركماني أو العجمي الطعام الشهي، والكساء البهي والعيش الهني، فقد روى أكثر مؤرخي العراق في هذه الحقبة أنه في سنة 670ه لمع نجم الخواجة شرف الدين هارون ابن الصاحب شمس الدين الجوني، وهو شاب عجمي من أسرة خدمت الدولة المغولية، وسمت به وظائف الدولة حتى صار يلقب بحاجب ديوان الممالك في العراقين، وطمحت نفسه إلى أن يتزوج بحفيدة الخليفة المستعصم بالله، فتم له ما أراد، ويقال: إنه قد عرض عليها مهرا لا يكاد يصدق العقل وقوعه، وهو مائة ألف دينار فقبلت أمها به على شريطة أن يكف عن شرب الخمر فقبل بذلك، وقد عجب المؤرخون لهذه الحادثة حتى قال ابن أبي عذيبة في تاريخ دول الأعيان وكان صداقها مائة ألف دينار، وهذا ما سمع بمثله إلا لملك، فإن القائم بأمر الله أصدق خديجة السلجوقية مائة ألف دينار، وكذلك المكتفي بالله زوج ابنته زبيدة بالسلطان مسعود بن محمد ملكشاه على صداق مائة ألف دينار،

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٦١