تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه نظرة عجلى في أوضاع شمال إفريقية حتى فجر القرن الثالث عشر للهجرة، وسنفصل بعض الحوادث في الجزء الخاص بعصر «الانبعاث» من تاريخ الأمة العربية.

| عصر الانحدار

في التاريخ الاجتماعي والثقافي والأدبي للأقطار الآتية: العراق، الشام، مصر، الجزيرة العربية، المغرب العربي

الفصل الأول

| الحالة الاجتماعية في العراق بعد سقوط بغداد

اضطربت الحالة الاجتماعية في أواخر العهد العباسي تبعا للاضطراب السياسي؛ فقصر الخليفة أضحى مجمعا لأقوام من الحثالات الترك والكرد والفرس والروم والصقالبة، كل يتكلم بلغته ويعمل على بسط نفوذه والقضاء على خصومه، والخليفة المسكين بينهم كالدمية يتلاعبون به ويسيرونه كما يشاءون.

وإذا كانت هذه هي الحالة في القرنين الخامس والسادس للهجرة والخلافة هي الخلافة، والسلطان العباسي على جانب عظيم من القوة، فماذا تكون الحالة في أواخر القرن السابع، وقد اضمحل كل نفوذ عربي أو كاد، وأصبح الخليفة قانعا بمطعمه وملبسه ونسائه وجواريه وغلمانه، ولقد أدى هذا الأمر إلى انزواء المرأة العربية الشريفة ذات الماضي المجيد، والنشاط القوي، وحلت محلها السريات والجاريات من بنات الأتراك والروم والفرس والكرد والصقالبة، وتولى أمر قصور الخلافة وقصور الأمراء والأعيان - وراء ذلك - شراذم من المماليك الترك، فعلت كلمتهم على كل كلمة، وارتفع صوتهم على صوت أسيادهم، واستمر نفوذهم في تعمق حتى صاروا يولون الخليفة ويعزلونه ويقتلونه، وأصبح ولاة العهد وشبان البيت المالك العباسي عشراء المماليك والخدم، فتخلقوا بأخلاقهم، وأفضوا إليهم بأسرارهم وأحوال قصورهم، وصار هؤلاء المماليك سادة القصور وأمراءها الحقيقيين، وكان بلاء هؤلاء القوم يزداد حينما يتولى أحد من هؤلاء الشبان الخلافة أو غيرها من كبار أعمال الدولة، فإنهم كانوا يتصرفون بأعمال هؤلاء الشبان، والخليفة والأمير لا حول له ولا طول، يقضي أوقاته في الصيد واللهو واللعب؛ فهذا الخليفة المستعصم بالله كان حينما تولى الخلافة شابا شديد الكلف باللهو واللعب وسماع الأغاني، لا يكاد مجلسه يخلو من ذلك ساعة واحدة، وكان ندماؤه وحاشيته جميعهم منهمكين معه في التنعم والملذات لا يراعون له صلاحا، وكتبت له الرقاع، في أبواب دار الخلافة، فمن ذلك:

قل للخليفة مهلا

أتاك ما لا تحب

ها قد دهتك فنون

من المصائب غرب

فانهض بعزم وإلا

غشاك ويل وحرب

كسر وهتك وأسر

ضرب ونهب وسلب

كل ذلك وهو عاكف على سماع الأغاني،

1

وإذا كانت هذه حال الخليفة فإن حالات الأمراء والوزراء والأعيان أقبح وأشنع.

أما مظاهر الترف فقد بلغت حدا يفوق الوصف؛ لأن الأموال التي كانت تجبى لمصالح العامة، أضحت أموالا يتصرف بها الخليفة ومماليكه وأمراؤه، ولا ينفقونها في السبيل التي جمعت من أجلها من كري الأنهار، وفتح الطرق، وعمارة المؤسسات العامة، وخدمة مصالح الشعب، بل أخذوا ينفقونها في شراء الألبسة الثمينة والفراء الغالي والرياش الفاخرة، ويتأنقون في الأطعمة والأشربة وأدواتهما، كما كانوا يغالون في استحضار ما اشتهر بطيبه من ألوان الفاكهة والطيوب والعطور واللحوم والطيور، وكانوا يكنزون الذهب والفضة والحجارة الكريمة، مع أن جماعة الشعب في أشد حالات الضيق والبؤس والعري والمرض والجهل، وقد ذكر المؤرخون أن هولاكو حينما دخل قصر الخلافة وطلب من الخليفة أن يحضر إليه كنوزه ونفائس رياشه وذخائره، كان الخليفة «يرجف من الخوف، ومندهشا لدرجة أنه عاد لا يعلم مفاتيح خزائنه، فأمر أن تكسر الأقفال، فأخرجوا ما يقدر بألفين من الثياب، وعشرة آلاف دينار، ونفائس مرصعات، وجواهر عديدة، فلم يلتفت هولاكو إلى هذه الأشياء، ووزعها على الأمراء الحاضرين، ثم خاطب الخليفة: بأن الأموال الموجودة في سطح الأرض ظاهرة، فنريد أن تبين الدفائن وموضعها وماهيتها، فاعترف الخليفة بوجود حوض مملوء من الذهب في وسط السراي، فأخذوا يحفرون المكان الذي عينه فوجدوه مملوءا من الذهب الإبريز، وكانت كل قطعة منه بزنة مائة مثقال، ثم أمر أن يحصوا حرم الخليفة فوجدوا سبعمائة من النساء والسرايا، وألفا من الخدم.»

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٥٩