تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

وقد ظل مسعود في شرافته إلى سنة 1165ه وفيها مات، فتولى الولاية من بعده أخوه الشريف مساعد، وسار بالناس سيرة مضطربة إلى أن جاء الحجاز عبد الله باشا أمير الحاج الشامي في سنة 1172ه فبلغه سوء سيرته وما تقاسيه الناس منه فعزله وولى أخاه جعفرا، فلم يقبل جعفر وظل الشريف مساعد إلى سنة 1184ه فتولى الأمر من بعده أخوه الشريف عبد الله، ولم يطل عهده بل تنازل لأخيه الشريف أحمد، وفي أيامه وقعت الفتنة الكبرى بين الشريف أحمد وبين محسن بك أبي الذهب الذي بعثه صاحب مصر ليعزله الشريف أحمد، ويولي الشريف عبد الله مكانه، فوقعت البلاد في فوضى، وكثر السلب والنهب، وانتشر البدو الذين جاءوا مع الشريف عبد الله في البلاد، وهم يعيثون فيها الفساد وينهبون الأهلين، إلى أن انتصر الجند المصري مع أبي الذهب، ودخلوا مكة والشريف عبد الله يتقدمهم في سنة 1184ه، ولقد لقي الحجاز من أبي الذهب وجنوده تعبا ومشقة؛ فإنهم نهبوا الدور والقصور، وأساءوا معاملة العلماء والوجوه، ولم يتركوا البلاد إلا بعد أن ساءت أحوالها، ولما غادروها اجتمع الأهلون، وخلعوا الشريف عبد الله وأعادوا الشريف أحمد، وأول عمل قام به هو إحراقه بعض دور الأشراف الذين اتهمهم بإحراق قصر دار السعادة، وهو مقر الشرافة، وبهدم بعض قصور البلد وأبوابها، ولم يكن الشريف أحمد أحسن سيرة من سلفه؛ فقد أباح لجنده نهب بيوت الناس والاستيلاء على أموالهم في مكة وجدة والمدينة، فأفسدوا الحرث والنسل واشتد كرب الأهلين، وعم الغلاء حتى أكل الناس القطط، وشربوا الدماء، ولم تكن حال البوادي خيرا من حال الحواضر، فقد ضج أهلها، وظلت الأمور قلقة إلى سنة 1185ه حين قدم الحجيج المصري الشامي، وأحضرا معهما الأقوات والأقمشة فانفرجت الأزمة، وفي سنة 1186ه ثار الشريف مسرور بن مساعد على عمه الشريف أحمد وأخرجه من مكة بعد أن هزم جنده، واستولى على الشرافة، فذهب عمه يستصرخ القبائل ليعود إلى ولايته، ووقعت بينه وبين ابن أخيه خمس عشرة موقعة

15

أهلكت الناس، ولم تنته هذه المواقع إلا في سنة 1193ه حين تغلب مسرور على عمه، وفرق جنده، وقبض عليه أسيرا مهانا في ينبع حيث لم يبق إلا أياما مات بعدها هو وولده، واستقرت الأمور للشريف مسرور فأخذ يعمل على تهدئة الحالة، والضرب على أيدي العتاة والمفسدين وقطاع الطرق، ولما استتب له الأمر عزم على الزواج، فخطب ابنة مولاي محمد سلطان المغرب الأقصى، وزفت إليه في سنة 1193ه مع كثير من الهدايا والتحف، وكانت سنة خير على الأهلين.

وفي سنة 1194ه عزم الشريف على زيارة المدينة المنورة، وكان معه ثلاثة آلاف وخمسمائة جمل ومائتان وخمسون خيالا وخمسة آلاف من العربان وخمسمائة من الأشراف، وكثير من الكراع والأموال، فلما وصل إلى «بدر» ثار أهلها وحاولوا الفتك به وبجماعته فتغلب عليهم وقتل نفرا منهم، ثم سار حتى المدينة فخاف أهلها منه، وأضمروا له الشر لما بلغهم عن قسوته على الرغم من كثرة الأموال التي نثرها عليهم، ووقعت فتنة بين الأهلين والجنود، واضطر الشريف أن يترك المدينة إلى مكة، وساد الهرج والمرج وعمت الفوضى إلى أن هلك في سنة 1202ه.

الفصل الثالث عشر

| المغرب العربي في شمال إفريقية منذ القرن الثامن للهجرة حتى فجر القرن الثالث عشر

ذكرنا في تأريخ «عصر الاتساق» شيئا عن تاريخ المغرب العربي، والدول التي ظهرت فيه، كما ألممنا بشيء من تاريخ بلاد الأندلس، والدول التي ظهرت فيها منذ الفتح العربي إلى أن خرج منها المسلمون.

1

أما بلاد المغرب العربي في القرن السابع للهجرة والقرن الثالث عشر للميلاد، وما يتبعها من جزائر الباليار، فقد كان يتنازع الحكم فيها دولتان عظيمتان، هما: دولة الموحدين ودولة المرينيين، ودولة الحفصيين، فجزائر الباليار كانت خاضعة للملوك الموحدين، وبلاد مراكش كانت تحت سيطرة الموحدين، ثم أخذها منهم المرينيون بعد سنة 668ه/1269م، وبلاد الجزائر الغربية كانت تحت سيطرة الموحدين حتى سنة 634ه/1236م، ثم سيطر عليها الحفصيون فالمرينيون بعد سنة 669ه/1270م، وبلاد الجزائر الشرقية وتونس وطرابلس كانت تحت سيطرة الموحدين إلى سنة 628ه/1230م، ثم في سنة 628ه/1230م اختص الحفصيون بتونس.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٥٧