تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعمد الملك الظاهر إلى أنصار الخليفة المتوكل عليه من الشيوخ والمماليك ففتك بهم حتى ضاق الناس به، ووقعت في البلاد عدة فتن؛ فمن ذلك أن الأمير يلبغا الناصري صاحب حلب والأمير منطاش صاحب ملاطية هاجما دمشق، ودحرا صاحبها الموالي للسلطان الملك الظاهر، واستوليا على المدينة، ثم زحفا على القاهرة، واضطر الملك الظاهر إلى الهرب واللجوء إلى الكرك، ودخل يلبغا القاهرة، وأعاد السلطان حاجي آخر المماليك البحرية إلى السلطنة في سنة 791ه وأصبح هو صاحب الحول، أما منطاش فإنه لم يلبث أن ثار على يلبغا، والتف حوله أتباع السلطان برقوق، ونشب قتال عنيف بين الطرفين انتهى بفوز أنصار منطاش، فسيطر هذا على الديار المصرية، وسعى في تنصيب نفسه سلطانا، ولم يمنعه من ذلك إلا ما بلغه من أن برقوقا ترك الكرك والتفت حوله جماهير من أهل الشام، فسار منطاش إلى الشام والتقى ببرقوق وجيوشه قرب غزة، وكانت الغلبة لبرقوق، ثم رجع إلى مصر وأحسن سياسته مع الرعية، وأعاد المتوكل على الله إلى الخلافة، وفي سنة 794ه كتب إليه السلطان قره يوسف صاحب العراقين أنه يقدم إليه مدينة تبريز، ففرح بذلك برقوق، وفوض إليه أن يفتتح ما يستطيع من البلاد الفارسية باسمه على أن يكون هو المتصرف بها، وفي سنة 795ه قدم قره يوسف إلى مصر فارا من غزو تيمورلنك، ثم قدمت إليه رسل تيمورلنك تحمل رسائل التهديد والوعيد، فأخذ برقوق يعد العدة للقائه، ولكنه مرض في تلك الأثناء ومات في شوال سنة 801ه/1399م، وكان قبل موته قد عهد لابنه فرج، وأقام الأمير تغري بردي وصيا و«أتابكا»، فلما مات اجتمع الأمراء ونصبوا فرجا سلطانا ولقبوه بالملك الناصر، ولكنه لم يستقر طويلا حتى هاجم الأتراك العثمانيون بقيادة سلطانهم «بايزيد» مدينة ملاطية وما إليها من حدود المملكة الشمالية فاضطربت، وزاد من اضطرابها تلك الثورة الداخلية التي وقعت في دمشق وسائر المدن السورية، وأدت إلى خلع طاعة هذا الملك الفتى، ولكن الملك سار نحوهم بجيش قوي من مصر وفتك بزعماء الثورة، وفتك بصاحب دمشق، وأعاد البلاد إلى سلطنته، ولم يكد يستريح حتى فاجأته جماهير المغول بقيادة تيمورلنك زاحفة عليه بعد أن دمرت بغداد وسائر المشرق، ولقيت حلب وسائر المدن الشمالية من الويلات ما ذكرناه، وسار هو لإنقاذ الشام، والتقى الجيشان المصري والمغولي قرب دمشق، وانتهت المعركة باندحار الجيش المصري، ولقيت دمشق من الفظائع والحرائق ما تشيب لهوله الأطفال، ولم يتركها المغول حتى أضحت كومة رماد وجيف على ما بيناه آنفا.

ثم توجه تيمورلنك إلى آسية الصغرى لقتال الأتراك العثمانيين؛ فأسر السلطان «بايزيد» في سنة 804ه في وقعة أنقرة، وبلغت أخبار هذه المعارك مسامع السلطان فرج فاضطرب لها جدا، ولم يلبث أن جاءه كتاب من تيمورلنك يطلب إليه فيه خضوعه، كما يطلب إليه تسليم أحمد بن أويس وقره يوسف، فرد على كتابه هذا بكتاب لطيف وبهدية جزيلة وأعلن خضوعه، ولكنه لم يقبل بتسليم أحمد بن أويس وقره يوسف باعتبارهما لاجئين سياسيين، ولكنه وعد بأن يسجنهما، فقبل تيمورلنك، وكف بلاءه عن مصر، وهكذا استطاع فرج أن ينقذ القطر المصري من زحف الطاغية عليه وتهديمه كما فعل في العراق والشام.

وفي سنة 806ه هلك تيمورلنك وتخاصم أبناؤه، فاستطاع السلطان فرج أن ينجو من الخطر المغولي تماما، ثم أخذ يستعد لإنقاذ الشام منه، لكنه فوجئ بقيام المصريين عليه، وإعلانهم عدم رضاهم عن تصرفاته، وعمت البلاد ثورة عارمة انتهت بخلعه، وتنصيب أخيه عبد العزيز سلطانا في سنة 808ه/1405م، ولكن فرجا استطاع أن يتغلب على خصومه، ويعود إلى الملك ثانية في أوائل سنة 809ه فسار بالناس سيرة حسنة، ولما أراد استرجاع الديار الشامية أعانوه على ذلك وتم له ما أراد، ولكن لم يلبث مماليك الشام أن أعلنوا عصيانهم وعلى رأسهم جم، فأعلن عصيانه على الشكل الذي أسلفنا تفصيله في القسم الماضي بتاريخ الشام.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٤١