ولما مات تسلطن بعده ابنه السلطان فرج، فلم يخضع له أمراء الشام ونوابه، وجرت حوادث وفتن مزعجة، وانتهزت جيوش تيمورلنك ذلك، فزحفت على الديار الشامية وأذاقتها الشرور والفتك، حتى قال المرحوم المؤرخ أستاذنا الشيخ كامل الغزي: إن جيش تيمورلنك لما دخل حلب نهب وأحرق وسبى وقتل، وصاروا يأخذون المرأة ومعها ولدها على يدها فيلقونه من يدها ويفعلون بها ما لا يليق، فلجأ النساء عند ذلك إلى جامعها ظنا منهن أن هذا يقيهن من أيدي الغزاة الكفرة، وصارت المرأة تطلي وجهها بطين أو بشيء حتى لا ترى بشرتها من حسنها، فيأتي عدو الله إليها ويغسل وجهها ويجامعها في الجامع، وحكى بعض من حضر الوقائع بأن تيمورلنك عرض الأسرى من بلاد الشام ونواحيها، فكانوا ثلاثمائة ألف أسير وستين ألف أسير،
1
واستولى على الكنوز والذخائر التي كانت في قلعة حلب، ولما تم له الاستيلاء التام توجه نحو حماه وسلمية وفعل بأهلهما ما فعل بأهل حلب من القتل والسلب والإحراق حتى لم يبق من مدينة حماه إلا شيء قليل، ولما سار إلى حمص استسلم له أهلها فلم يفعل بهم شيئا، وقال: إنه يهبهم إلى خالد بن الوليد، ثم سار إلى دمشق وأصر نائبها على مناجزته، وجرت بين الطرفين معركة كبيرة، ولكن الدماشقة أحسوا بضعفهم فبعثوا في الخفاء قاضيهم تقي الدين بن مفلح الحنبلي إلى تيمورلنك؛ ليفاوضه في الصلح فقبل، ولكن نائب السلطنة أصر على القتال، وحمي وطيسه بين الجانبين، ثم تم النصر لتيمورلنك؛ فدخل المدينة، وفرض على أهلها مبالغ جسيمة، وأعمل جنده فيها السلب والإحراق، وحل بها ما حل بأختها حلب، وبخاصة ما لقي مسجدها وقصورها وحماماتها، فإنها ذهبت طعمة للنيران، وكانت دمشق قبل هذه النكبة من أجمل مدن الدنيا وأفخمها، وقد أكثر الشعراء والكتاب من رثائها ووصف هذه النكبة، فمن ذلك قول بهاء الدين البهائي:
لهفي على تلك البروج وحسنها
صفت بهن طوارق الحدثان
لهفي على وادي دمشق ولطفه
وتبدل الغزلان بالثيران
جناتها في الماء منها أضرمت
فعجبت للجنات في النيران
كانت معاصم نهرها فضية
فتخضبت منها بأحمر قان
لو عاينت عيناك جامع تنكز
والبركتين بحسنها الفتان
وتعطش المرجين من أورادها
وتهدم المحراب والإيوان
لأتت جفونك بالدموع ملونا
دمعا حكى اللولو على المرجان
لهفي على تلك العلوم ودرسها
صارت مغانيها بغير بيان
أعروسنا لك أسوة بحماتنا
في ذا المصاب فأنتما أختان
غابت بدور الحسن عن هالاتها
فاستبدلت من عزها بهوان
ناحت نواعير الرياض لفقدها
فكأنها الأفلاك في الدوران
وقال بعض أدباء الشهباء يرثيها، ويصف ما حل بها:
يا عين جودي بدمع منك منسكب
طول الزمان على ما حل في حلب
من العدو الذي قد أم ساحتها
ناح الغراب على ذاك الحمى الحرب
ويلاه ويلاه يا شهبا عليك وقد
كسوتني ثوب عز غير منسلب
من بعد ذاك العلا والعز قد حكمت
بالذل فيك يد الأغيار والنوب
وأصبح المغل حكاما عليك ولم
يرعوا لجارك ذي القربى ولا الجنب
وفرقوا أهلك السادات وانتشروا
في كل قطر من الأقطار بالحوب
وخربوا ربعك المعمور حين غدوا
يسعون في كل نحو منك بالنكب
وخربوا من بيوت الله معظمها
وحرقوا ما بها من أشرف الكتب
لكن مصيبتك الكبرى التي عظمت
سبي الحريم ذوات الستر والحجب
يأتي إليها عدو الله يفضحها
ويجتليها على لاه ومرتقب
2
وقال المؤرخ ابن عربشاه: «وبينا كان رجال تيمورلنك يحاصرون قلعة دمشق أخذ هو يتطلب الأفاضل وأصحاب الحرف والصنائع وأرباب الفضائل، واستمر نهب عسكر تيمورلنك لدمشق ثلاثة أيام، وارتحل هو وجماعته، وقد أخذوا من نفائس الأموال فوق طاقتهم، وتحملوا من ذلك ما عجزت عنه قوى استطاعتهم، فجعلوا يطرحون ذلك في الدروب والمنازل ... وأصبحت القفار والبراري والجبال والصحاري من الأمتعة والأقمشة كأنها سوق الدهشة