ومن الأعمال الجليلة الجديرة بالذكر في هذه الفترة قيام الجيوش الشامية والمصرية لفتح بلاد الأرمن في آسية الصغرى، والاستيلاء على عدة مدن وقلاع كالمصيصة والهارونية وباناس والنقير وآذنة وطرسوس، وقد عادت الجيوش العربية من رحلاتها هذه ظافرة موفقة، وفرح الناس بنشوة النصر، وعم الخبر، وارتفع شأن الحكام الصالحين، وانتشر الأمن، لولا الأزمات التي سببها اضطراب حبل السلطنة في مصر، وعصيان بعض المماليك في بعض الجهات على سلطان مصر كعصيان نواب حلب وحماه وطرابلس وصفد، مما سبب اضطراب الأمن اضطرابا لم يهدأ إلا بقدوم سلطان مصر الملك الصالح صلاح الدين ومعه الخليفة وبعض الأمراء والقضاة الأربعة.
وفي سنة 770ه تولى نيابة السلطنة المصرية في الشام الأمير سيف الدين منجك، وكان رجلا حازما شديدا على إقامة الأحكام الشرعية، وقطع دابر المفسدين، وعمارة البلاد، وإزالة أماكن اللهو والمنكرات، قال ابن طولون: «فعل الخيرات وبنى المحطات في الدروب، وبنى زاوية بالكسوة، وعمل لها سماطا، وعزل الطرقات، وعدل في الرعايا.»
7
واستقامت أحوال البلاد في أيامه، وكان محبا للعلم وأهله، فأحيا كثيرا من دارس المدارس، وعمل على الإكثار من حلقات التدريس في جامع بني أمية.
وفي سنة 779ه تولى نيابة الشام بيدمر الخوارزمي وكان ظالما كثير الاستبداد والأطماع حاول فصل الشام عن مصر، حتى تم له ما أراد في سنة 780ه فخرج عن طاعة السلطان، ولكن هذا بعث إليه فرقة من الجيش المصري ردته عن غرضه، وحاول الهرب إلى بلاد التركمان فلم يستطع وألقي القبض عليه، فأرسل إلى مصر، ثم أعلن توبته، فأعيد إلى منصبه، وانتهز الفرنجة هذه الفرصة فأغاروا على الشام وبخاصة جهات ساحل طرابلس، ولكنهم ردوا عنها خائبين، فعادوا إليها ثانية في سنة 784ه وهاجموا ساحل بيروت في عشرين مركبا حربيا، وتقاعس نائب السلطنة في دمشق عن قتالهم فقام بعض الغزاة في سبيل الله وعلى رأسهم الأمير الصالح إينال اليوسفي وتوجه لرد الفرنجة فشتت جموعهم، واحتجز ستة عشر مركبا وفرح الناس بذلك، ولكن هذا الفرح لم يدم طويلا حتى ظهرت بوادر الانشاق في صفوف أمراء الشام من جديد، وأخذ بعضهم يعلنون استقلالهم عن مصر، واستمرت هذه الفوضى إلى أن تبدلت الدولة، وحلت دولة المماليك الشراكسة محل دولة المماليك البحرية، على ما سنفصله في الفصل الخاص بتاريخ مصر.
الفصل السابع
| الشام من ابتداء دولة المماليك الشراكسة إلى الفتح العثماني
784-922ه/ 1382-1516م
منذ أن استولى السلطان برقوق على السلطة في مصر والشام أخذ يسعى لتوطيد أركان الدولة المضطربة، والحق أنه كان ملكا قويا ذا دهاء وسياسة، فإنه بعد أن تم له الأمر في مصر وجه نظره إلى الشام؛ لتثبيت أقدامه فيها، والضرب على أيدي مناوئيه من ولاتها الذين طمعوا في الاستقلال وإقصاء نفوذ مصر وحكامها عن بلادهم، ولكن برقوقا كان ذا إدارة حازمة استطاع بها إعادة نفوذ مصر على الشام، ورأى أن الواجب يقضي عليه بأن يوجه نواب الشام إلى غزو بلاد آسية الصغرى؛ ليأمن شرهم من جهة، ويكسب بلاده قوة وهيبة من جهة ثانية.
وقد تم له ما أراد حتى وفد عليه رسول ملك بلاد «سيس» ومعه كتاب يعلن فيه خضوعه، ويخبره أن ملك بلاد الأرمن قد مات، وأن رؤساء هاتيك الديار يطلبون من السلطان برقوق أن يختار هو لهم من يولونه عليهم، فبعث إليهم السلطان أحد الأرمن اللاجئين إليه ليتولى أمورهم، ثم جاءته في سنة 785ه رسل من صاحب بلاد سنجار وصاحب بلاد قيصرية، وصاحب تكريت، يعرضون عليه خضوعهم، ويعلنون له أنهم سيخطبون باسمه على المنابر، ويسكون العملة باسمه، ويدفعون له مبالغ سموها، فهذا يدل على القوة التي بلغتها دولة المماليك الشراكسة في عهده، ومن الأمور الجليلة الدالة على قوة هذه الدولة: قيام الجيوش الشامية في ذلك الحين بحملة شديدة ضد الغزاة الفرنجة الذين حاولوا احتلال الموانئ الشامية في بيروت وصيدا وصور، ومن ذلك عزم السلطان على قتال التركمان؛ فإنه جهز جيشا في سنة 787ه وبعث به إلى بلاد آذنه لقتال الأمير سولي بن ذلغادر ومن معه من التركمان، وقد التقت الجيوش الشامية بسولي وفرقت شمله وقتلت أخاه، ثم تمكنت منه فقتلته أيضا، وتم للسلطان برقوق الاستيلاء على أكثر بلاد آسية الصغرى، واتسعت رقعة الدولة وعظمت مواردها، واستقرت البلاد حقبة من الزمن لولا الفتن العارمة التي كانت تقع بين القيسية واليمانية، ولولا تآمر بعض المماليك على برقوق لقتله على ما سنفصله فيما بعد، وقد ظل سلطان برقوق قويا ودولته مرهوبة إلى أن هلك في سنة 801ه حين كان يعد العدة للقاء جيوش تيمورلنك.