وبانقضاء عهد السلطان أحمد وزوجته انقضى عهد الدولة الجلايرية الحقيقي، على أنه قد بقي هناك بعض الأمراء الجلايريين ظلوا يتحكمون في بعض المناطق العراقية والإيرانية مثل السلطان محمود بن شاه ولد، فقد حكم مدينة تستر وما إليها مدة سنتين، ومثل أخيه أويس الثاني الذي حكم تستر وخوزستان نحوا من خمس سنوات، ومثل أخيه السلطان محمد الذي حكم خوزستان ثلاث سنوات، ومثل ابن عمهم السلطان حسين الذي تولى الأهواز إلى سنة 835ه، وفي هذه السنة انتهى الحكم الجلايري تماما، وتمكن الأمراء البارانية من توطيد أركان الدولة الجديدة البارانية المعروفة باسم دولة «قرا قويونلو». (1) الدولة البارانية
تنتسب هذه الدولة - المعروفة أيضا «بالدولة القرا قويونلية» ومعنى «قرا قويونلو»: الأغنام السود؛ لأنها كانت شعارهم - إلى باران أحد رؤساء التركمان الذين هاجروا من بلاد تركستان إلى خراسان، ثم تفرقوا في جميع الأراضي الفارسية والعراقية، وقد كانوا قوما أشداء استعان بهم السلطان أويس الجلايري على قهر خصومه، وتوطيد أركان مملكته، وقرب رئيسهم بيرام خجا بن تورمش، وعهد إليه ببعض أموره الحربية، وأخذ أمره يقوى يوما فيوما حتى مات السلطان أويس فطمع بيرام خجا في السيطرة، ثم تم له ما أراد واستولى على ديار الموصل وسنجار في سنة 776ه/1374م، وأخذ أمره يقوى منذ ذلك الحين إلى أن مات في سنة 782ه، فتولى الأمر من بعده أخوه مراد خجا فلم يبق إلا مدة حتى هلك، فتولى الأمر من بعده قرا محمد بن تورمش بن مراد خجا، وكان شابا ذا قوة ودهاء، وسع ملك أسلافه وامتد سلطانه إلى ماردين، وعظم نفوذه في كافة هاتيك الأصقاع حتى إن السلطان أحمد الجلايري تزوج ابنته، ولما هلك في سنة 791ه/1390م تولى الأمر من بعده الأمير قرا يوسف الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لهذه الدولة، وكان من الرجال الأذكياء الأقوياء، وقد استطاع بذكائه وقوة إرادته التسلط على المملكة العراقية بكاملها وطرد الجلايريين منها، واستخلاصها لنفسه، ولما استقل قرا يوسف بالأمر بعث ابنه شاه محمد إلى بغداد فقضى على بقايا الجلايريين، أما هو فإنه اتخذ تبريز عاصمة له، وعادت بغداد من جديد تابعة لتبريز، ثم شرع في توطيد أركان مملكته وتوسيعها في البلاد الإيرانية والتركية، ففي سنة 818ه بعث ابنه شاه محمد صاحب بغداد إلى بلاد «سيس» ففتحها وضمها إلى مملكته، وظل يعمل على توسيع رقعة مملكته إلى أن هلك في سنة 823ه/1420م، وقد امتد سلطانه إلى الشرق والغرب، ولقيت البلاد العراقية منه ومن ابنه شدة وويلات حتى قال صاحب «المنهل الصافي»: «ومات في ذي الحجة ... وأراح الله الناس منه، نسأل الله أن يلحق به من بقي من ذريته؛ فإنه هو وأولاده الزنادقة الكفرة كانوا سببا لخراب بغداد وغيرها من العراق، وهم شر عصبة، لا زالت الفتن في أيامهم ثائرة والحروب قائمة إلى يومنا هذا، وطالت مدتهم بتلك البلاد التي كانت كرسي الإسلام ومنبع العلم ومدفن الأئمة الأعلام»،
1
وبعد موت قرا يوسف وقعت الاختلافات بين أولاده وتقارعوا بالسيوف، فاستولى أحدهم وهو «شاه رخ» على «تبريز»، واستقل الإسكندر بمدينة كركوك، واستولى «أسبهان» على بغداد، ثم تلاقى «شاه رخ» والإسكندر في ميادين القتال، وانهزم «شاه رخ» فارا إلى أرض الفرات، أما الإسكندر فإنه رجع إلى خراسان، واستقل بها وببلاد تبريز، وأما «أسبهان» فإنه استولى على بغداد، ووقعت بينه وبين أخيه محمد شاه اختلافات طويلة حتى أقام هو في الجانب الغربي من المدينة في عمارة السلطان أحمد، وأقام أخوه محمد شاه في الجانب الشرقي، واستمرت الحالة على ذلك مدة، والناس يقاسون ويلات من الأميرين حتى اضطر «أسبهان» إلى أن ينسحب ويستقل بلواءي دبالى، والحلة، وما إليهما.