2
وقال الرحالة ابن بطوطة في رحلته: «أخبرنا شيخنا قاضي القضاة أبو البركات بن الحاج أعزه الله قال: سمعت الخطيب أبا عبد الله بن رشيد يقول: لقيت بمكة نور الدين بن الزجاج من علماء العراق ومعه ابن أخ له، فتفاوضنا الحديث، فقال لي: هلك في فتنة التتار بالعراق أربعة وعشرون ألف رجل من أهل العلم، ولم يبق منهم غيري وغير ذلك، وأشار إلى ابن أخيه.»
3
ولما أتم الطاغية تيمورلنك فعلته النكراء هذه ترك بغداد بعد أن ولى عليها أبا بكر بن ميران شاه، ثم توجه إلى بلاد الروم، ووقعت بينه وبين السلطان بايزيد حروب طال أمرها، أما السلطان أحمد فإنه حاول الرجوع إلى بغداد فرجع إليها، ووقعت بينه وبين أبي بكر واليها حرب شديدة، ثم وقعت بينه وبين ابنه الأمير طاهر حرب، وانتهت كل هذه الفتن بسيطرة السلطان أحمد من جديد على بغداد في مطلع عام 806ه بعد موت تيمورلنك، ولما هلك تيمورلنك استراحت الدنيا من شروره وتدميره ومزعجاته، وعادت السكينة بعض الشيء إلى الديار العراقية، ولكن السلطان أحمد عاد إلى سيرته الأولى، فأخذ يزعج الناس ويصادر أغنياءهم، ثم طمع في استرداد تبريز فجهز جيشا كبيرا استرد به مدينة تبريز عام 809ه/1406م، ولما دخلها فرح الناس بدخوله وظنوا أنه مقلع عن غيه وظلمه لما ناله من التشريد والبؤس وصروف الدهر، ولكنه خيب آمالهم ورجع إلى ضلاله القديم، فلما ضاق الناس ذرعا به ثاروا عليه وسعوا لدى الميرزا أبي بكر أن يعلن ثورته عليه وأطمعوه في التغلب على السلطان، فقدم إلى تبريز وأخرج السلطان منها واستولى عليها، فرجع السلطان إلى بغداد واتخذها مقرا له، ثم وقعت بينه وبين الأمير قرا يوسف صاحب التركماني مشاحنات وحروب انتهت بوقوع السلطان أسيرا بيد قرا يوسف، فطلب إليه أن يتنازل له عن السلطنة وأن يفوض إيالة أذربيجان إلى ابنه الأمير بير بوداق، وإيالة بغداد إلى الشاه محمد، فقبل ووقع له المراسيم المتعلقة بذلك، ولكن هذا لم يمنعه من الاغتيال، وكان ذلك في سنة 813ه، وبموته قضي على ملك من أكبر ملوك العراق في هذه الحقبة، فقد عاش قرابة ثلاثين سنة وهو ملك على العراق يحاول بسط نفوذه على إيران والعراقين وأذربيجان، وكان لا يعرف الكلال ولا الملل، وهو بحق آخر الملوك الجلايرية العظام، وسنرى فيما بعد أن من خلفه لم يكونوا شيئا مذكورا، ولم تمض على وفاته إلا فترة حتى انقرضت هذه الدولة تماما كما سنرى تفصيل ذلك فيما بعد.
الفصل الرابع
| العراق في القرن الثامن
الدولة البارانية - والدولة البايندرية
رأينا في الفصل السابق أن تيمورلنك قد اجتاح العراق في العشر الأخير من القرن الماضي، وأن حكمه قد استمر طوال حياته، وأن السلطان أحمد الجلايري صاحب العراق وآخر ملوك الدولة الجلايرية قد لقي منه ويلات شدادا، وأنه حاول القضاء عليه فلم يتمكن منه، ولما مات تيمورلنك واضمحل أمر مملكته وعاد السلطان أحمد إلى العراق كما بيناه في الفصل الماضي، وتلقاه أهل العراق بالفرح الشديد والابتهاج مؤملين للبلاد على يديه كل خير، راجين أن يكون قد أقلع عن غيه القديم وعسفه، فقدموا له الأموال، وتفانوا في خدمته، ولكنه ظل سادرا في لهوه ولعبه، مسترسلا في غيه وضلاله حتى قتل في سنة 813ه، كما ذكرناه قبلا.
فلما قتل بعد أن تنازل عن الملك للأمير محمد شاه بن قرا يوسف الباراني رحل محمد شاه هذا إلى العراق للاستيلاء عليه في سنة 814ه، ولما وصل بغداد قاومه واليها من قبل السلطان أحمد كما قاومته زوجة السلطان أحمد، وكانت امرأة ذات دهاء وخبث فأذاعت في المدينة أن السلطان أحمد ما يزال حيا، وأنه عما قريب عائد إلى مقر ملكه، ثم عمدت إلى الوالي فقتلته، وأخذت تعمل على الانفراد بالأمر والاستيلاء على الحكم، ولكنها خذلت، واضطرت أن تنهزم، أما الشاه محمد فدخل هذا إلى بغداد في أوائل سنة 814ه/1411م واستقرت الأمور له فيها.