أما آثار هذه الدولة العظيمة في ميادين الحضارة والعلم، فلم تكن أقل من آثار سابقاتها في وادي الرافدين، فلقد كان الكلدانيون أصحاب عناية شديدة بالفلك والتنجيم والرياضيات والهندسة والطب والزراعة والطبيعيات والإلهيات، وقد انتفعوا بالحضارة البابلية القديمة، وأضافوا إليها كثيرا من بحوثهم الخاصة، وقد كان للكلدانيين هؤلاء أثر قوي جدا في تثقيف عرب قلب الجزيرة قبل الإسلام، فإن صلاتهم بهم كانت جد قوية، وقد أفادوا منهم كثيرا من معلوماتهم في الأنواء والنجوم والطب والطبيعيات والإلهيات، ولا أدل على ذلك من قصة إبراهيم - عليه السلام - وأبيه اللذين كانا من هؤلاء الكلدانيين، والتي ذكرها القرآن الكريم مفصلة.
10
ومن آثار الكلدانيين الخالدة على حضارة وادي الرافدين تأثيرها في لغات أهل هاتيك الأقاليم، فقد أثرت اللغة الكلدانية في اللغات التي كانت منتشرة في ذلك الوادي، وطبعته بطابعها؛ النحوي والصرفي والبياني والأدبي، بل إنها تغلبت على تلك اللغات جميعا، وغدت لغة التخاطب في الوادي وسوريا وفينيقية وشبه جزيرة سيناء وبعض ديار مصر، والسر في ذلك أن هذه الكلدانية كانت لغة غنية في مفرداتها، سهلة في تعبيراتها، مرنة باستعمالاتها، غنية في آدابها من شعر ونثر، منيعة في نحوها وصرفها، منطقية في قواعدها.
11 (6) الدولة الفينيقية
الفينيقيون هم من الكنعانيين والآراميين الذين تركوا قلب الجزيرة العربية، وانساحوا إلى بلاد الشام في فجر الألف الثالث قبل الميلاد أو قبل ذلك بقليل، وكانوا قبائل رحلا يقطنون السهول الخصبة في ديار الشام، ولما توطدت أقدامهم في تلك الديار أسسوا لهم في القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد دولة عريقة ذات حضارة، فبنى الكنعانيون مدينة صور في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، وبنى الآراميون مدينة جبيل في القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد، كما بنوا مدينة بيروت (بيريت) في القرن الثاني والعشرين ق.م.
وكانت حدود دولتهم تبدأ من حدود جبال طوروس شمالا إلى نهر الدامور جنوبا، وفي أوائل القرن الأول من الألف الثاني اتحد الشعبان من الكنعانيين والآراميين، وكونا دولة واحدة هي الدولة الفينيقية العظمى الممتدة من شمالي سوريا إلى جنوبيها.
وقد كانت هذه الدولة مؤلفة من عدة مدن، وكل مدينة تكون مملكة مستقلة عن الأخرى، وأجل هذه الممالك مملكة جزيرة أرواد، ومملكة مدينة جبيل، ومملكة مدينة بيروت، ومملكة مدينة صيدا، ومملكة مدينة صور، وكانت مملكتا صور وصيدا في عراك دائم، وتنافس قوي على السيادة.
وكانت حكومة صيدا في أيام قوتها تحكم الأهلين حكما مطلقا استبداديا إلا في بعض الفترات؛ فإنها كانت تتقيد بمجلسين؛ أحدهما للشيوخ، والآخر للنواب، كما كانت حكومة صور في أول أمرها حكومة مستبدة، ثم تقيدت بمجالس عامة مؤلفة من أغنياء الشعب، ومرتبطة بمشورة رجال الدين والقضاء، ويذكر بعض المؤرخين أنها كانت جمهورية خلال فترة من الزمن، وستظل هذه الأمور غير واضحة إلى أن يكتشف ما يثبتها.
ومن أشهر ملوك هذه الدولة الملك «حيرام»، الذي كان في حوالي القرن العاشر قبل الميلاد، وكان حليفا للنبي سليمان الحكيم - عليه السلام - وهانيبال بطل قرطاجة، وقد كان لهذه الدولة سلطان عظيم في البحر، واتصلوا عن طريق سفنهم وتجاراتهم بأوروبا وأفريقيا وآسيا.
أما في أوروبا، فقد اتصلوا ببلاد الغال في فرنسة، وحملوا إليها تجاراتهم، كما اتصلوا بإيطالية وإسبانية واليونان، وكثير من جزائر البحر الأبيض المتوسط، كقبرص وأقريطش وصقلية ورودوس، وكان لهم في موانئ هذه البلاد مستعمرات ومتاجر وأسواق وممثليات، وأما في أفريقيا فقد اتصلوا بمصر، ولكن المصريين أقصوهم عنها، فساروا إلى تونس، وأسسوا فيها مدينة عظيمة هي مدينة قرطاجة التي ضارعت مدائن صور وصيدا وجبيل، ولعبت دورا هاما في تجارة البحر الأبيض المتوسط، وفي السيطرة على أسواق أوروبا وأفريقيا.