تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

ولم يكن آشور بانيبال وحده من ملوك آشور الذين سلكوا مسلك العلم وإحياء الفنون، بل كان أكثر ملوك هذه الدولة من أهل المعرفة وحب الفضائل، وقد قربوا العلماء، وساروا على النهج الصالح الذي سنه البابليون في علوم الدين والسياسة والآداب والفنون، والتشريع والنسخ والترجمة.

وليس هذا وحده ما خلفه الآشوريون من أثر علمي، بل إنهم اشتغلوا أشغالا علمية ميزت حضارتهم، ويمكننا إجمال ذلك بالنقاط الآتية: (1)

اعتنوا عناية شديدة بعلم الطب وعقاقيره ونباتاته، وقد حفظت لنا الرقم الطينية التي خلفوها كثيرا من بحوثهم في هذا الباب، وتجاربهم في العلاج، وقد كان عملهم هذا البداية الصالحة لعلم التاريخ الطبيعي، وقد أفاد اليونان والرومان أجل الفوائد من بحوثهم هذه. (2)

بحثوا بحوثا عميقة في علم اللاهوت، فقد كانوا يعرفون بوجود إله أعظم هو رب السموات والأرضين، وأنه سبحانه قد خلق آلهة من دونه يتسلسلون في القوة والإمكانيات حتى بلغ عددهم في القرن التاسع قبل الميلاد خمسة وستين ألف إله

8

وأن لهؤلاء الآلهة أنسابا وتواريخ، وأنهم يتناسلون، ويكونون مجمعا خاصا له نظامه وسياسته، وقد انتقلت أكثر هذه المعلومات اللاهوتية والميثولوجية إلى اليونان والرومان، فبنوا عليها عقائدهم، ولا شك في أن الصلة قوية بين الآلهة اليونانيين المتعددين وبين الآلهة الآشوريين الذين لا يكادون يحصون.

9 (3)

تفوقوا تفوقا خاصا في علوم الهندسة والفلك والتشريع، وقد ضارعوا بذلك إخوانهم البابليين، وهم وإن لم يبدعوا في هذه العلوم إبداع البابليين فإنهم قد أكثروا من التأليف فيها، وتمموا بعض بحوثها. (4)

ولقد بذوا البابليين بالإكثار من الكتب، وجعل الخزائن لها، وتأسيس المكتبات، وإنشاء دور العلم، ووضع الفهارس للكتب، وتنظيم القوانين الخاصة بالمكتبات وبحفظها، وتسهيل مراجعتها، وتشجيع العلماء على وضع الكتب، والمتعلمين على المطالعة. (5)

اهتموا اهتماما شديدا بنسخ آثار من قبلهم من علماء السوريين والبابليين، فقد كان آشور بانيبال شبيها بحمورابي في هذا الاهتمام، فإنه كان يبعث البعوث العلمية إلى أقاصي الإمبراطورية والعالم الخارجي ينسخون له الكتب ويترجمونها. (5) الدولة الكلدانية

رأينا في الفصل السابق أن نهاية الآشورية في سنة 612 قبل الميلاد كانت على يد ملك الكلدانيين «بنو بولاسر» الكلداني الذي ولاه الآشوريون فانتهز ضعف دولتهم، وقضى عليها وأسس الدولة الكلدانية.

وقد ظل حكم الأسرة الكلدانية في وادي الرافدين نحو قرن، نبغ فيه عدد من الملوك العظام، أجلهم «نابولاصر»، وابنه «نابوخذ نصر»، و«نابونائيد».

والكلدانيون هم من الآراميين العرب الذين اتجهوا إلى شرقي وادي الرافدين، وأسسوا لهم مدينة في الجزء الجنوبي من وادي الرافدين سموها «كلدة» وإليها نسبتهم، وقد كان ذلك في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد، وظل نفوذهم يقوى حتى اضطر الآشوريون أن يولوا الملك الكلداني عليهم، فلم يلبث أن قضى على دولتهم، وأسس الدولة الكلدانية كما سلف.

وقد اغتنم الفراعنة المصريون سقوط الدولة الآشورية، فحاولوا غزو سوريا الشمالية والجنوبية، إلا أن «نابوبولاصر» جهز حملة قوية برئاسة ابنه «نابوخذ نصر»، والتحم الجيشان الفرعوني والكلداني عند قرقميش «جرابلس»، وانكسر الجيش الفرعوني، وهكذا ظل سلطان الكلدانيين نافذا على بلاد الرافدين وسوريا بجزأيها، واحتل الملك نابوخد نصر مدينة أورشليم، وأمعن في أهلها قتلا وتخريبا، وأسر ملكها، وسبى أهلها وساقهم أسرى أرقاء إلى بابل، وظلت الدولة الكلدانية في عهده ترفل في ثياب العزة ثلاثة وأربعين سنة.

فلما هلك خلفه ابنه، وكان ضعيفا؛ استولى عليه رجال الدين، وتداخلوا في إدارة الملك، واستطاعوا أن يجعلوا أحدهم «نابونائيد» ملكا، ولكنه لم يوفق للإمساك بزمام الأمور، فتضعضعت الدولة، وأحس الفرس بضعضعتها؛ فأغاروا عليها بزعامة ملكها قورش في سنة 538 قبل الميلاد، وسقطت الدولة، وبسقوطها انتهى حكم العرب في بلاد الرافدين، وانتقلت السلطة والسيادة إلى الآريين الذين ظلوا يتحكمون فيها إلى ظهور الدولة العربية الكبرى في ظل الإسلام. •••

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ١٠