تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما عظمت مكانة السعوديين الوهابيين السياسية وامتد سلطانهم ذلك الامتداد الواسع، خافت الدولة العثمانية منهم، وخصوصا في أيام سعود الكبير، بعد استيلائهم على الأماكن المقدسة وزحفهم على النجف وبغداد ودمشق، فعهدت إلى أمير مصر محمد علي بمحاربتهم، وصادف ذلك هوى من نفس محمد علي، فجيش جيشا ضخما وبعث به، وعلى رأسه أحد أبنائه: طوسون، فزحف على المدينة المنورة، ولكن السعوديين تمكنوا من الفتك بالجيش، ولم ينج طوسون إلا بأعجوبة، فجمع قواته من جديد وزحف على المدينة فاستولى عليها في سنة 1228ه/1812م. ولكن السعوديين ظلوا يناوئونه حتى توفي أميرهم سعود في سنة 1229ه/1814م، فخلفه ابنه عبد الله، وكان مثل أبيه نجدة وشجاعة، وقد استمرت الحرب بينه وبين محمد علي فترة طويلة، حتى عهد محمد علي إلى ابنه إبراهيم، فهاجم بلاد القصيم وأخرج السعوديين منها، ثم اضطرهم إلى الاحتماء بعاصمتهم الدرعية، وما زال محاصرا لها حتى استسلم له أميرها عبد الله في أيلول سنة 1818م، فساقه أسيرا إلى الآستانة حيث قتله السلطان سنة 1234ه/1818م وهدم مدينة «الدرعية»، وأقام في نجد أميرا من قبله، وأعاد بلاد الحجاز إلى الأشراف الذين كان السعوديون قد أقصوهم عنه، ثم حاول الاستيلاء على بلاد «عسير» فلم يتمكن، واستمرت حروبه في الجزيرة منذ سنة 1825م إلى سنة 1837م. ولما احتل الإنكليز بلاد عدن في سنة 1839م رأى أن يتخلى عن مطامعه في جزيرة العرب، ويسلم المدينتين المقدستين «المدينة ومكة» إلى الباب العالي.

ولما ضعف سلطان محمد علي في الجزيرة، لمع نجم أحد أمراء السعوديين في نجد، وهو: تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود في الرياض، وكان تركي هذا رجلا قويا ذا شكيمة، فاتخذ الرياض عاصمة له، وأعاد للسعوديين عزتهم ووطد احترام دولتهم، فلما قتل سنة 1249ه/1832م

2

خلفه ابنه فيصل، وكان فتى حازما كثير المطامع مؤمنا بقوميته ودينه، عاملا على تطهير بلاده وسائر الجزيرة من الدخلاء والأجانب، فشمر عن ساعده وثار على قاتل أبيه مشاري بن عبد الرحمن فقتله، ثم انصرف إلى محاربة جنود محمد علي المصريين محاربة عنيفة، ولكنهم استطاعوا بمعونة ابن عمه خالد بن سعود أن يفلوا من حده ويأسروه، فجيء به إلى مصر في سنة 1255ه/1838م فأقام أسيرا سجينا إلى سنة 1259ه، ثم فر من سجنه وعاد إلى نجد، ودانت له البلاد إلى أن توفي في الرياض سنة 1282ه/1865م، فخلفه سعود بن فيصل بن تركي بعد أن تولاها أخوه عبد الله بن فيصل بن تركي فترة قصيرة وخلع منها في سنة 1287ه. وفي أيام سعود تفرقت الديار النجدية إلى إمارات صغيرة، وضعف شأن السعوديين؛ فكان بلد الخرج تحت سيطرة ثنيان بن عبد الله بن ثنيان. وكانت بلاد الأحساء والقطيف وقطر والبحرين وعمان تحت سيطرة عبد الله بن عبد الله بن ثنيان، وكانت بلاد العارض تحت نفوذ سعود بن جلوي بن تركي، وبلاد الفرع وما إليها تحت سلطان فهد بن حنيتان بن ثنيان، ومدينة الرياض تحت نفوذ عبد الرحمن بن فيصل. وقد ظلت هذه الحالة إلى أن كانت سنة 1292ه/1875م؛ ففيها مات سعود بن فيصل، وتمكن الأمير محمد بن الرشيد الشمري أمير حائل في شمالي نجد من الاستيلاء على أكثر ملك آل سعود. وفي سنة 1305ه تمكن من الاستيلاء على الرياض عاصمتهم، وامتد سلطانه على نجد كله فخضع له، وظل على ذلك إلى أن مات سنة 1314ه/1896م.

3

ولا شك في أن الحركة الوهابية كانت بذرة من بذرات القومية العربية، وعاملا من عوامل إيقاظ الوعي الوطني الديني الساعي إلى تطهير النفس العربية مما علق بها من أوضار الماضي وجهالات الاستعمار الأجنبي الذي أفسد كل شيء في دنيا العرب، وحاول أن يطمس نور الحقيقة والإيمان، ويقضي على الحيوية العربية، في البلاد العربية عامة وجزيرة العرب خاصة. ولكن ظهور الدعوة الوهابية بما اشتملت عليه من تحريض على الجهاد، وتطهير للنفوس، وإذكاء للوعي بصفة عامة، قد أيقظ العرب من سباتهم، وأثار فيهم الوعي القومي العربي وإن لم تكن هذه الإثارة مقصودة بذاتها.

عصر الانبعاث: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثامن) · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبعاث: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثامن)ص ٨