وهكذا بدأ الأهلون يعلنون عداءهم للدولة المصرية، ولا شك في أن الدولة العثمانية ومن وراء إنكلترا كانت تثير الأهلين، وتدس الدسائس، وتحرك رؤساء العشائر، وزعماء الطوائف، ومشايخ البلاد على الثورة، إلى أن كانت سنة 1255ه، فبعثت الدولة العثمانية إلى سورية جيشا كبيرا بقيادة حافظ باشا، والتقى مع الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا عند مدينة «نزب» فانتصر إبراهيم باشا. وبلغت الأخبار إلى إستانبول وكان السلطان محمود الثاني قد مات وخلفه ابنه السلطان عبد المجيد وهو فتى في السادسة عشرة، فاضطر رجال الدولة أن يهادنوا إبراهيم باشا. ولكن الدول الأوروبية كفرنسة وإنكلترا وروسية وبروسية والنمسة قلقت لاستكانة الدولة العثمانية، فعقدت مؤتمرا في لندرة سنة 1840م قررت فيه عدم موافقتها على بقاء محمد علي في الشام وانحصار سلطته في مصر وعكا، وخالفت فرنسة في هذا القرار وعزمت في الخفاء على مساعدة محمد علي نكاية بإنكلترا. ولكن الدول الأخرى، وبخاصة إنكلترا، عزمت على مقاومة نفوذ محمد علي، فبعثت إنكلترة أسطولها إلى سواحل الشام، واحتلت بيروت وسائر المدن الكبرى الساحلية، واضطر محمد علي أن يتراجع إلى مصر، وترك إبراهيم باشا دمشق في سنة 1256ه، ثم انسحب من سائر البلاد الشامية.
والحق أن حركة محمد علي في الشام كانت - على ما فيها من المساوئ - حركة طيبة مباركة؛ فقد أحيت أصول الوعي القومي العربي من جهة، وأثارت في أكثر النفوس جذوة الوطنية وحب الاستقلال والتخلص من النير التركي، ورفعت أيدي أصحاب الإقطاعات عن الأراضي الشاسعة التي كانوا يتملكونها من جهة ثانية، هذا فضلا عن روح العدالة والإنصاف التي بثتها بين الأهلين خلال الفترة التي حكمت البلاد فيها.
الفصل الثالث
| حركة محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية في الجزيرة العربية
أراد محمد علي وابنه إبراهيم أن يسيطرا على البلاد العربية؛ تمهيدا لإقامة إمبراطورية عربية واسعة، وكان الابن أكثر تفهما لهذه الحركة من أبيه محمد علي؛ لأنه كان أكثر إدراكا للوعي العربي العام؛ ولذلك حبت نفسه إلى الاستيلاء على الجزيرة العربية والقضاء على الحركة الوهابية التي قام بها أحد زعماء الإصلاح الديني في الجزيرة، وهو: محمد بن عبد الوهاب.
ومحمد بن عبد الوهاب بن سليمان هذا هو فقيه مصلح من بني تمام، ولد سنة 1115ه/1703م في «العيينة» من بلاد نجد، وكان ذكيا ألمعيا، درس مبادئ العلوم الدينية في بلده على شيوخه، ثم رحل إلى الحجاز وسكن المدينة المنورة، فقرأ على شيوخها، ثم انتقل إلى العراق وسكن البصرة فآذاه بعض أهلها، ورجع إلى نجد فسكن في «حريملة» فترة، ثم رجع إلى مسقط رأسه يبشر بدعوة الإصلاح الديني التي ارتآها، ويعمل على تطهير الدين، ويدعو إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ويحرض على قراءة كتب المجتهد أحمد بن تيمية. وقد آزره أول الأمر في دعوته هذه أمير «العيينة» عثمان بن حمد بن معمر، ثم خذله فقصد إلى «الدرعية» في سنة 1157ه، فرحب به أميرها محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن فرحان بن إبراهيم الذهلي الشيباني، وآزره لما كان بينه وبين أمير «عيينة» من التنافس. وفي الدرعية كثر مريدوه. ولما مات محمد بن سعود سنة 1179ه/1765م وخلفه ابنه عبد العزيز، قوي سلطان ابن عبد الوهاب؛ لحب الأمير إياه وإخلاصه في تقبل دعوة الإصلاح التي دعا إليها ابن عبد الوهاب، ولما مات عبد العزيز سنة 1218ه/1803م وخلفه ابنه سعود الثاني المعروف بالكبير؛ اتفق هو والشيخ على نشر الدعوة بالسيف، فاتسع نطاقها وعمت جميع شرق الجزيرة العربية واليمن والحجاز، إلى أن مات ابن عبد الوهاب سنة 1206ه/1792م في الدرعية،
1
فخلفه ابنه، وقويت الصلات بين آل عبد الوهاب وآل سعود طوال العصر، وما يزال أبناء عبد الوهاب حتى أيامنا هذه معروفين بآل الشيخ، ولهم لدى الملوك السعوديين أعظم المكانة.