تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

والحق أن الشعب المصري بكافة طبقاته كان إلبا على الاستعمار الفرنسي، ولم ينخدع بخدع نابليون وأحابيله، بل قاومه أشد المقاومة وثار عليه. وكان الأزهر الشريف مقر الثورة، كما كانت أصوات المؤذنين تختلط بأصوات الداعين إلى الثورة على الظالمين المغتصبين.

3

وأراد الطاغية نابليون كبت تلك الثورة في مقرها، فسلط نيران مدافعه على الجامع الأزهر، فهدمه وهدم كثيرا من الأحياء المجاورة له، كالغورية والفحامين، والصناديقية. قال الجبرتي: «ضربوا بالمدافع والبنبات، البيوت والحارات، وتعمدوا بالخصوص الجامع الأزهر، وحرروا عليه المدافع والقنبر (أي: القنابل). فلما سقط عليهم ذلك ورأوه، ولم يكونوا في عمرهم عاينوه، نادوا: يا سلام من هذه الآلام، ويا خفي الألطاف نجنا مما نخاف. وتتابع الرمي من القلعة والكيمان، حتى تزعزعت الأركان.» ودخلت جيوش الفرنسيين إلى الجامع الشريف بخيولهم، فربطوها بقبلته وعاثوا بأروقته، وكسروا قناديله ونهبوا خزائن طلبته، وما فيه من المتاع والأواني والودائع والمخبآت، وأتلفوا المصاحف والكتب، وكان ذلك في اليوم الثالث من جمادى الأولى سنة 1213ه/22 تشرين الأول سنة 1798م. ولما رحل نابليون وخلفه الجنرال كليبر لم يكن أحسن حالا منه، ورأى الشعب المصري أنه لا بد من الانتقام؛ فقد تحمل ويلات شدادا، ولم يعد في طوقه أن يصبر على ظلم الفرنسيين، وكان المجلى في ساحة الانتقام هو الشيخ سليمان الحلبي، وهو فتى سوري رحل من حلب لتلقي العلم في الأزهر الشريف، فمكث فيه ثلاث سنوات ثم رجع إلى بلده، ولما وصل إلى حلب وبلغته نكبات الفرنسيين لإخوانه المصريين وتهديمهم لمدرسته الروحية وأكبر جامعة إسلامية، آلى على نفسه أن ينتقم من الظالمين، ورحل إلى مصر للفتك بالقائد الفرنسي الذي سام مصر خسفا. فلما دخلها وزار المسجد المعمور وجده قد تهدم وأضحت معالمه خرابا، اشتدت حماسته وباع نفسه لدينه وقوميته، وترصد القائد العام الجنرال كليبر فقتله في اليوم الرابع عشر من حزيران سنة 1800م بطعنات خنجره، فكانت هذه الطعنة بذرة من بذرات الانبعاث العربي. وإنه لمن الصدف الطيبة أن يقوم بهذا العمل القومي النبيل في ديار مصر فتى لم يتجاوز الرابعة والعشرين من أهل حلب. ولم يكن سليمان يوم محاكمته الصورية إلا مظهرا رائعا من مظاهر البطولة والعزة على الرغم من كثرة تعذيبهم إياه وسوء قتله.

ومنذ ذلك اليوم ازدادت ريبة الفرنسيين في شيوخ الجامع الأزهر وفي طلبته، وعرفوا أنهم لن يستطيعوا البقاء في هاته الديار. ولكن جنونهم وحمقهم دفعاهم إلى إغلاق الجامع الأزهر والتضييق على أساتذته وطلابه، وتسفير الغرباء من أبناء العروبة إلى ديارهم، كما أنهم أمعنوا في إغلاق المساجد والجوامع الكبيرة في القاهرة وسائر المدن المصرية، وامتهنوا حرمتها المقدسة فجعلوا من مسجد الأمير أزبك في الأزبكية سوقا لبيع أموال المصريين المصادرة، ومن مسجد الرويعي خمارة، ومن المسجد الناصري قلعة عسكرية، ومن مسجد الأمير سليم الكاشف في أسيوط سجنا، وهدموا عددا كبيرا من المساجد والمدارس، نذكر من بينها على سبيل الذكر لا الحصر: مسجد الجنبلاطية في باب النصر، ومسجد جركس، ومسجد خوتد بركة، ومسجد عثمان الكنجية، ومسجد خاير بك، ومسجد عبد الرحمن الكنجية، ومسجد البنهاوي، ومسجد الطرطوشي، ومسجد الشيخ العدوي.

هكذا فعل نابليون الإمبراطور العظيم الذي يزعم بعض المؤرخين أن حملته على مصر كانت حملة جد مفيدة، وأنها سارت بمصر خطوات نحو التقدم والخير، مع أنها كانت حملة استعمارية لم يهدف من ورائها إلا إلى استعمار مصر والاستمتاع بخيراتها. وحين بعثت الدولة العثمانية حملتها العسكرية لطرد الفرنسيين، أخلص الشعب المصري في كفاحه مع الدولة العثمانية ضد الغاصب، ثم أعان محمد علي على الدولة العثمانية ظنا منه أن الحالة ستتحسن على يديه، ولكن فأله قد خاب.

عصر الانبعاث: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثامن) · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبعاث: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثامن)ص ٥