تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا شك في أن هذا العمل كان بذرة من بذور الانبعاث العربي؛ فقد رأى المسلمون العرب في هذه الديار فساد خطة الأتراك العثمانيين وسوء إدارتهم، فتمركزت في نفوسهم - أو في نفوس الواعين منهم على الأقل - فكرة التخلص من الظلم التركي وإنقاذ البلاد العربية الرازحة تحت عبئه من تلك الحالة الشاذة. وكانت أولى الانتفاضات ثورة أهالي دمشق على واليهم التركي سليم باشا في سنة 1247ه الذي قدم إلى دمشق وأخذ يعامل الأهلين بقسوة وعنف، بعد أن قاسى منه أهل حلب قسوة وعنفا شديدين. وما إن وصل إلى دمشق حتى زاد الضرائب واحتقر الأعيان، وضرب العامة، فعزموا على الفتك به وبجنده، وتجمهروا وتظاهروا عليه، وحصروه في قصره وضيقوا عليه، فاضطر أن يلجأ ليلا إلى الجامع المعلق أولا ثم إلى القلعة، وأمر بعض جنده بإحراق دار الحكومة ليشغل الناس عن محاصرته، فلم يأبهوا لذلك الحريق، واضطر الوالي أن يقذف عليهم نيران المدافع من القلعة، فهلك من الأهلين عدد كبير. ثم لجأ الوالي إلى بيت القاضي فهاجم الناس البيت واحتلوه وقتلوه، واختاروا من بينهم حكومة تدير شئون البلاد كانت بذرة جديدة من بذرات الوعي القومي العربي. ويقول بعض المؤرخين: إن الدافع الحقيقي لثورة أهالي دمشق على الوالي العثماني، هو محمد علي باشا صاحب مصر؛ فإنه كان يطمع في السيطرة على الشام، فدفع أهالي العاصمة السورية للثورة على واليهم.

أما مصر فقد كانت منذ سنة 1798م/1213ه تحت السيطرة الفرنسية، وكان نابليون بونابرت قد احتلها في تموز من تلك السنة، وادعى حين نزوله إلى الإسكندرية أنه محب للإسلام، وأنه صديق للخليفة العثماني، وأنه يريد أن يبني للمسلمين «مجدا عظيما لا نظير له في الأقطار، والدخول في دين النبي المختار»، وأنه إنما جاء إلى مصر لينقذها من ظلم المماليك ... إلى آخر تلك الأقوال المعسولة التي لم تخدع شعب مصر، فثار عليه واعتبره غاصبا ظالما مستعمرا. وأصيب في الإسكندرية وحدها دفاعا عنها حين احتلال الفرنسيين نحو من ثمانمائة قتيل وجريح، وقد لعبت المقاومة الشعبية السرية دورها في الفتك بجيش نابليون وإزعاجه.

يقول الأستاذ محمود الشرقاوي: «لم تمض عشرة أيام على دخول نابليون الإسكندرية حتى بدأت هذه المقاومة السرية، فقتل أحد جنود الأسطول الفرنسي في أحد الشوارع، وفي الوقت نفسه ألقي في البحر خادم لأحد الضباط وغرق، وغضب كليبر - قائد حامية الإسكندرية الفرنسي - لهذه الحوادث أشد الغضب، فاعتقل بعض أعيان المدينة واستدعى حاكمها السيد محمد كريم، والقاضي الشرعي وغيرهما، فطلب إليهم البحث عن القتلة، وهددهم بشنق من تقع عليه القرعة من المعتقلين إذا لم يسلم القتلة في خمسة أيام. ولكن ذلك كله لم يجد نفعا؛ فقد تستر الناس عليهم حتى هربوا، وعرفوا فيما بعد أن السيد محمد كريم كان عونا لرجال المقاومة السرية. وبعد ذلك بأيام أراد الجنرال كليبر أن يسير كتيبة إلى بعض البلاد في البحيرة، فلم تجد هذه الكتيبة، في اليوم الذي حدد لسفرها، ما تحمل عليه أثقالها وأزوادها وماءها من الإبل؛ لأن أهل الإسكندرية وما جاورها أخفوا إبلهم وهربوها حتى لا يستعين بها الفرنسيون، وسارت الكتيبة بلا ماء، وبعد يوم واحد من سفرها ظهرت الإبل في الإسكندرية. وعندما سافرت كان العرب يهاجمونها في الطريق ويعرفون سيرها وطريقها وغايتها، وظهر للفرنسيين أن المهاجمين كانوا على اتصال برجال المقاومة في الإسكندرية، ولما وصلت الكتيبة إلى دمنهور وجدت ستة آلاف من المصريين على استعداد لملاقاتها؛ فهابت أن تحاربهم ولم تتم سيرها، بل رجعت إلى الإسكندرية بعد أن فقدت عددا غير قليل من رجالها ... وكما وقف رجال المقاومة بالمرصاد لجنود نابليون يعتدون عليهم ويقتلونهم حيثما وجدوهم، وقفوا كذلك لرسله يتصيدونهم ويفتكون بهم. أرسل نابليون رسالة من القاهرة إلى الجنرال كليبر في الإسكندرية مع الكابتن جوليان يأمره فيها بالقبض على السيد محمد كريم، ولم تصل إليه الرسالة؛ لأن رجال المقاومة قتلوا الكابتن جوليان وهو في طريقه إليها. وخرجت سفينة فرنسية من رشيد، يحمل قائدها رسالة أخرى من كليبر إلى نابليون، فلم تكد تبتعد عنها قليلا حتى هاجمها أهالي مطوبس وإدفينا، فأرغموها على العودة إلى رشيد. ثم خرجت مرة أخرى إلى وجهتها، ولكن الفلاحين أطلقوا عليها نيرانهم من جانبي النيل حتى أرغموها للمرة الثانية على العودة، وأعدم الفرنسيون بالرصاص عمدة إدفينا.»

عصر الانبعاث: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثامن) · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبعاث: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثامن)ص ٤