الدور الرابع
جاء هذا الدور مع العصر العباسي؛ ذلك العصر الذي تغلغلت النفس العربية فيه إلى الثقافات القديمة والحضارات العتيقة القويمة التي حل العرب في ديار أهلها، فانتقوا منها ما أرادوا ومزجوا به علمهم وأدبهم وحضارتهم؛ فأنتج «الحضارة العباسية» الزاهرة. وقد لعبت دولة العباسيين والدول المتعددة التي تولدت عنها - أو عاشت في كنفها في المشرق والمغرب الإسلاميين - دورا خطيرا في تاريخ الحضارة العالمية؛ فقد وجد العباسيون، ومن اعتمدوا عليهم من كبار رجالات دولتهم، أن الدولة الإسلامية كانت قد توطدت أقدامها سياسيا وعسكريا في العصر الراشدي والأموي، فيجب أن تتوطد ثقافيا وعلميا وحضاريا في هذا العصر؛ فانصرفوا إلى ذلك وإلى تهيئة أسبابه. وها هنا لا بد لنا من إشارة إلى فكرة خاطئة يزعمها بعض المؤرخين، وهي أن الدولة العباسية دولة فارسية النجار، أعجمية المحتد، مجوسية التقاليد، عربية المظهر، وأنها كانت بعيدة عن روح التربية العربية، قصية عن التقاليد الراشدية والأموية. بل ذهب بعض العلماء كالمسعودي والجاحظ - غفر الله لهما - إلى أن دولة بني العباس كانت دولة أعجمية ... فهذا قول خاطئ؛ لأن الواقع يخالفه والحوادث التاريخية تناقضه؛ فإن الخلفاء العباسيين وإن تأثروا ببعض المظاهر الدولية الفارسية - وقد تأثر الأمويون قبلهم ببعض المظاهر الدولية الرومية بل والعباسية - فإنهم لم يجتازوا حدود القومية العربية، ولم يتخطوا أساليب التربية الإسلامية، بل كانوا جد متعصبين لها. ولقد وقف السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين وقفات مضريات أمام التيار القومي الأعجمي، حتى قضوا عليه.
ثم إن نواحي التربية والتعليم في هذا الدور ظلت هي هي كما كانت في الدور السابق ولم يصبها أي تغيير، اللهم إلا ما تقضي به سنة النشوء والارتقاء من الإفادة من العلوم الجديدة والدروس المفيدة، التي نشطت في البيئة العباسية نشاطا عجيبا بفضل الخلفاء والأمراء العباسيين. ولقد ساهم العرب والأعاجم على السواء في هذا النشاط؛ فقد كان لهذه المساهمة المشتركة أثر حميد أفاد منه العلم، وتطورت به التربية العربية تطورات محسوسة. كما كان لهذا الأمر أثر آخر مفيد في تماسك أجزاء الأمة العربية الإسلامية روحيا بعد انقسامها سياسيا حين ضعفت الدولة العباسية في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع، فأخذت بعض الأقاليم تنفصل عن الدولة الأم، ولكن هذا الانفصال لم يكن إلا انفصالا سياسيا، فإن كل هذه الدول التي انسلخت عن الجسم العباسي من سامانية وصفارية وحمدانية وطولونية وبويهية وسلجوقية ... كانت كلها ذات طابع واحد هو الطابع العربي-الإسلامي، وكانت الحياة العقلية والمذاهب التربوية في كل هاتيك الدول واحدة متسقة تمام الاتساق، وكان العالم أو المربي العربي في أية بقعة من بقاع العالم العربي يجوب الديار فيحاضر ويدرس ويناقش ويناظر، وهو بين قوم يفهمونه ويفهمهم تمام الفهم، ولا فرق أصلا بين الكاشغري والطنجي والبغدادي والقرطجي والمعري والقيرواني والمصري والطاشقندي والحلبي والبخاري ... فالكل يدورون في فلك واحد ويسيرون إلى هدف واحد، ويدرسون برنامجا تعليميا واحدا، ويتربون تربية علمية مشتركة لها طابع خاص وقواعد متسقة، وربما اختلفت الصور والأشكال والهيئات والأساليب، أما حقائق الأمور وطبائع الأشياء فثابتة متحدة. وقد استمر هذا النشاط العلمي ذو المذاهب التربوية الموحدة والأغراض الثقافية المتحدة في دار الإسلام من أقصى المشرق الإسلامي إلى أقصى المغرب الإسلامي، وكان أهله ينتجون إنتاجا علميا مفيدا ذا خطر في كافة نواحي العلم من دين وأدب وطب وكيمياء وفلسفة ورياضيات، وكانوا يكتبون كل ذلك بلغة القرآن وبأدب العرب إلى أواخر القرن السابع للهجرة؛ أي إلى ما بعد القضاء على الدولة العباسية في بغداد. فلما قضي عليها اضمحل أمر العرب وذهبت ريحهم، ولم يبق لهم أثر ذو شأن كبير في العلم والفلسفة والعمران والفن، وخلق من بعد العباسيين خلق أضاعوا مجد العرب، ولم تقم لهم قائمة ذات خطر إلا في عصر النهضة واليقظة العربية. فعليهم إذا ما أرادوا أن تكون نهضتهم اليوم نهضة صحيحة سالمة من كل زيف أن يعمدوا - بعد الاستعداد العسكري - إلى الاستعداد التربوي الصحيح الذي يخلق من الأطفال رجالا ومن البنات نساء ذوات مواهب وكفايات، وأن ينشئوا شبابا وشابات أحرارا متعاونين مؤمنين بالمساواة، مخلصين لأمتهم، عاملين في سبيل قوميتهم، معتمدين على أسس التربية الثلاثة التي قامت بها حضارتهم بالأمس، وهي: التعاون، والحرية، والمساواة.