تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكيف لا تهتم الأمة بهم؟! وكيف لا يعنون بتعليمهم وتزويدهم منذ نعومة أظفارهم بفاضل الأخلاق ونبيل المزايا وشريف العلم؟! وكيف لا يفادى الأسرى من مثقفي قريش بتعليم أطفال المسلمين القراءة والكتابة؟! وقد حفظت لنا كتب السنة النبوية طرفا جليلا من الأحاديث المتعلقة بتأديب الأطفال، وألف في ذلك جماعة من مربينا القدامى أمثال محمد بن سجفون، والقابسي، والغزالي، وابن جماعة، والعلموي، وغيرهم ممن سنعرض بعد إلى دراسة كتبهم، ثم إنه

صلى الله عليه وسلم

اهتم بالشبان والشابات فأحسن توجيههم حتى خلق منهم رجالا ونساء مؤمنين برسالته متفادين في نصرته ونشر دعوته، واثقين من نصر الله للمؤمنين الصادقين، شاعرين بثقل العبء الملقى على عاتقهم، والرسالة الخطيرة التي حملها رسول الله إلى الأمة العربية، فشمروا عن سواعد الجد والنشاط، وتطلعوا إلى الآفاق البعيدة، وانزوت لهم الدنيا من أقصاها إلى أقصاها، واعتقدوا أن لغة الضاد يجب أن تعم الأرض، وأن دين محمد يجب أن يسيطر على الخافقين؛ فعملوا بكل قواهم في سبيل تحقيق ذلك، وكان لهم في أقل من نصف قرن ما أرادوا، ولم يكد يمضي عهد الرسول الكريم حتى كانت تلك االنفوس قد تربت تربية جديدة، واعتنقت مبادئ الإسلام وأفادت منها، فخلقت ذلك الفاتح العربي الذي قال بعد أن بلغ الأطلانتك: والله لو علمت أن وراءك يابسة لخضت البحر إليها في سبيل الله.

هكذا ربى محمد قومه وصحابته، وبهذا زودهم لنشر دينه ولغته، وعلى تلك الأسس القويمة ربى أطفالهم وهذب بناتهم ... فلننتقل بعد إلى الدور الثالث الذي قام به خلفاؤه من الصحابة والتابعين، لنرى كيف نشئ ذلك الوليد المحمدي، وكيف اشتد ساعده.

الدور الثالث

هو دور انتشار الإسلام خارج الجزيرة العربية في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين؛ فقد استولى الإسلام في عهدهم على ديار الشام والعراق وآسية الصغرى ومصر وشمالي إفريقية والأندلس غربا، كما امتد إلى إيران والأفغان والسند والتركستان حتى بلغ حدود الصين شرقا، ولم يبق من العالم المتمدن القديم إلا جزء صغير بالنسبة إلى ما استولوا عليه.

وهكذا تكونت المملكة الإسلامية فضمت أخصب بلاد العالم القديم وأرسخها قدما في الحضارة والعلم. وقد كان لسياسة الأمويين العربية الحكيمة الرشيدة تأثير كبير على طبع هذه المملكة بالطابع العربي؛ فخضعت الشعوب المفتوحة التي اعتنقت الدين الإسلامي لسلطان العرب الأدبي والخلقي، وتعشقت اللغة العربية وآدابها، إلا نفرا قليلا من الشعوبيين والملاحدة واليهود الذين يكرهون العرب على الرغم من إحسانهم إليهم وتخليصهم إياهم من ظلم الرومان وقسوة الفرس، وحمايتهم من ملوكهم وقادتهم العتاة، ولكنهم نسوا ذلك، وما إن رأوا العرب المساميح وقد تركوهم وشأنهم حتى أخذوا يكيدون لهم كل كيد، محاولين القضاء على الأمة العربية وتمزيق أوصالها، وتشتيت الملك العربي الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، ناسين فضله عليهم، ولكن القافلة العربية سارت قدما إلى الأمام فلم تحفل بهم، ولم يكد يمضي الشطر الأول من العهد الأموي بعد أيام معاوية ومروان وابنه عبد الملك حتى توطدت أركان الدولة في ميادين السياسة والحرب، وشرعت في تنظيم حقول العلم والدرس، وترتيب أسس الحضارة، ونشر ألوية العلم والعرفان والصناعة والفنون، مستفيدين من حضارات الشعوب المفتوحة، مختارين منها ما يلائم دينهم وذوقهم وعرفهم، مضيفين ذلك إلى تراثهم التربوي والتهذيبي الذي ورثوه عن آبائهم ومربيهم وسادتهم وقادتهم قبل الإسلام وبعده؛ فتكون من ذلك كله مزاج عربي مستقيم الخطوط، واضح القسمات، عليه الطابع العربي الإسلامي، والنزعة القومية العربية، وهكذا مهد عهد الراشدين والأمويين للعباسين في الدور الرابع.

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٨