181
وقال في فصل آخر عنوانه «آراء المسلمين في التربية والتعليم»: «... ونحن نرمي من هذا الغرض أن نبين أمورا ثلاثة؛ الأول: أن المستشرقين الذين كتبوا في التربية الإسلامية - ومن تبعهم من المؤلفين في الشرق - درجوا على تقرير آراء معينة في التعليم، قالوا عنها إنها آراء المسلمين أو العرب فيما يختص بأغراض التعليم ومناهجه وطرقه وأصوله. وهذا التعميم خطأ؛ لأن أمور التعليم اختلفت باختلاف الأقاليم واختلاف الأشخاص القائمين عليها ... والثاني: أن الآراء التعليمية لمفكر ما وحدة متماسكة في ذهن صاحبها؛ فقد يذكر منهجا خاصا يلائم الغرض من التعليم الذي يذهب إليه وكذلك طريقة التعليم التي سلكها في تحقيق ذلك المنهج؛ فلا يصح أن ننقل جزءا من مذهب مفكر في التعليم ونترك سائر ما ذكره. والثالث: أننا نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول إن مذهب المفكر في التعليم جزء أو صدى لمذهبه العام في الحياة أو فلسفته؛ إذ كانت الفلسفة هي النظر الشامل للحياة، وقد التزمنا هذه المنهج في بحثنا ...»
182
ثم عرض إلى رأي القابسي، فرأي إخوان الصفا، فرأي ابن سينا، فرأي الغزالي، فالزرنوجي، فابن عبد البر، وختم برأي ابن خلدون. ولا نريد إطالة البحث ببيان آراء هؤلاء ها هنا مفصلة، وإنما نريد أن نقول إن من يدقق في دراسة آرائهم لمعرفة أهداف المسلمين من التعليم يرى أن أهدافهم كانت ثلاثة: دينية، ودنيوية، وعلمية. أما القول بأن التعليم إنما كان له هدف واحد كما ذهب إليه القابسي والأهواني
183
فهو قول المتزمت المبالغ؛ فقد روى ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» كلمة رائعة لعبد الملك بن مروان يوصي بها بنيه، وهي قوله: «يا بني تعلموا العلم، فإن استغنيتم كان لكم جمالا، وإن افتقرتم كان لكم مالا ...»
184
ويقول حاجي خليفة: «... فالعلوم ليس الغرض منها الاكتساب، بل الاطلاع على الحقائق وتهذيب الأخلاق. على أن من تعلم علما للاحتراف لم يأت عالما إنما جاء شبيها بالعلماء. ولقد كوشف علماء ما وراء النهر بهذا الأمر ونطقوا به، ولما بلغهم بناء المدارس في بغداد أقاموا مأتم العلم، وقالوا كان يشغل به أرباب الهمم العالية والأنفس الذكية الذين يقصدون الشرف والكمال به فيأتون علماء ينتفع بهم وبعلمهم، وإذا صار عليه أجرة تدانى إليه الأخساء وأرباب الكسل.»
185
وهناك أقوال كثيرة أخرى نقلت لنا عن القدماء والمتأخرين، وهي كلها تدل أن للعلم أهدافا غير الأهداف الدينية، منها أهداف دنيوية واجتماعية، ومنها أهداف سامية لا يبغي منها صاحبها إلا العلم نفسه، وهذا كان هدف عشرات من العلماء الذين بذلوا أعمارهم في سبيل العلم والبحث ولم يقبلوا عليه أجرا ولا وظيفة، ولا أباحوا لأنفسهم أن يقبلوا درهما ولا دينارا في سبيل العلم والبحث أمثال عشرات من الصحابة والتابعين، وفي طليعتهم أبو بكر وعمر وعلي وابن عباس وابن عمر، وأبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل والأوزاعي، وسيبويه والكسائي والخليل، والأشعري والبخاري ومسلم، والمعري والماوردي والذهبي والبطليوسي والبيضاوي والسيوطي والزرنوجي والأفغاني ومحمد عبده - رضوان الله عليهم. (3-3) المواد
ذكرنا في الفصل الخاص بالكتاتيب اختلاف الديار الإسلامية في المواد التي كان الأطفال المسلمون يتعلمونها في الكتاب، أما مواد التدريس في الحقبة الثانية التي تلي تلك الحقبة، سواء أكانت في الكتاب أو المدرسة أو غيرهما، فقد بحث المسلمون فيها وقسموا العلوم إلى درجات، فقالوا: أول ما يجب على الطالب درسه بعد القرآن ومبادئ العلوم الدينية والعلوم العربية هو علم التفسير، ثم علم الحديث، ثم علم أصول الدين، ثم علم أصول الفقه، ثم علم الفقه، ثم علم الخلاف بين المذاهب الإسلامية. وقال بعض المربين: بل الأولى أن يقدم علم النحو والعربية على علم الخلاف. وقال آخرون: بل الأولى أن يقدم علم الجدل.