179
والخلاصة أن المسيحية جاءت بنمط جديد حين ربطت التعليم بالكنيسة والدير، وهي وإن أحسنت من ناحية فقد أفسدت من ناحية أخرى؛ أما الناحية التي أحسنت فيها فهي أنها نظمت شئون التعليم وهيأت له الأمكنة الصالحة، وسارت به في طريق صحيحة مستقيمة، وأما الناحية التي أفسدت فيها فهي أنها ضيقت نظام التعليم وجعلته مقصورا على طبقة الكهنوت ومن يتصل بها بعد أن كان التعليم قبلا عاما لجميع أفراد الشعب. وسير التعليم في الإسلام يشبه سيره في المسيحية؛ فقد كان التعليم كما رأينا في صدر الإسلام يهدف إلى تعليم القرآن وما إليه، وكانت المساجد هي المركز الأول الذي احتضن التعليم، إلا أن الفرق بين الإسلام والنصرانية في هذا أن الإسلام جعل التعليم لكافة الناس، أما النصرانية فإنها تفرضه على طبقة رجال الكهنوت، وفي هذا دليل على أن الإسلام لم يقتبس نظام الكتاتيب من المدارس المسيحية والأديرة أو الكنائس، كما قال بعض الباحثين من المستشرقين؛ فقد رأينا أن الفرق واضح بين «المدرستين » الإسلامية والمسيحية، ثم إن التعليم الإسلامي نشأ مع الإسلام نفسه وتطور بتطوره؛ فقد كان بسيطا سمحا في عصر الرسول وخلفائه ثم تعاظم في العصر الأموي وبلغ درجة الكمال في العصر العباسي وفقا لسنة النشوء والارتقاء. (3-2) أهداف التعليم عند المسلمين
اختلف المؤلفون المسلمون وغير المسلمين في بيان الأهداف التي قصد إليها الإسلام من وراء حضه على العلم؛ فمنهم من قال إن أهدافه من وراء ذلك هي إحياء شعائر الإسلام والقيام بفروضه لا غير؛ فالأغراض الدينية بحتة، والرسول حين قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم.» قصد التعليم الديني من قرآن وسنة وما إليهما، وأنه فسر هذا العلم بقوله في حديث ثان: «أفضل الناس المؤمن العالم.» وهذا العالم هو المقصود بقوله تعالى:
هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون . ومنهم من قال إن أهداف الإسلام من التعليم هي أهداف دينية ودنيوية معا؛ فإن الدين الإسلامي لا يمنع أهله من الإفادة مما في الكون من ملاذ ومتع ومن توجيه العقل إلى اكتساب المال بالطرق المشروعة من تجارة وصناعة وزراعة، وما إلى ذلك مما وردت في حله وإباحته الآيات والأحاديث النبوية. ومنهم من قال إن وراء الهدفين الديني والدنيوي هدفا ثالثا، وهو هدف اللذة الروحية من العلم، وذلك الهدف هو الذي يدفع صاحبه إلى التعلم والبحث لا لشيء سوى البحث والتعلم لذاتهما مكتفيا بلذة البحث عن الحقيقة والتفتيش عن دفائن المعرفة. وقد تعرض الأساتذة خليل طوطح وأسماء حسن فهمي والأهواني إلى مناقشة هذه المسألة بإسهاب، وأكتفي هنا بإيراد ما قاله الدكتور الأهواني؛ فإنه أحصى القول فيه وعلق عليه ووصل فيه إلى نتيجة طيبة؛ حيث يقول في فصل عنوانه «مناقشة الغرض من التعليم»: «لم يذكر القابسي من الأغراض التي يبتغيها الإنسان حين يتعلم إلا الغرض الديني، وقد ذكر الأستاذ خليل طوطح أن التعليم عند المسلمين كان يرمي إلى أربعة أغراض: غرض ديني، وغرض اجتماعي، والتذاذ عقلي، وغرض مادي. وقسمت أسماء فهمي أغراض التعليم إلى ثلاثة أقسام: غرض ديني، وغرض عقلي وثقافي، وغرض نفعي.
180
وكلاهما يأخذ هذه الأغراض من شتى الكتب العربية، مثل «تعليم المتعلم» للزرنوجي، و«جامع بيان العلم» لابن عبد البر، و«إحياء العلوم» للغزالي، و«كشف الظنون» لحاجي خليفة، و«مفتاح السعادة» لطاش كبري زاده، و«رسائل إخوان الصفاء» ... والرأي عندنا أنه لا توجد أغراض للتربية عند العرب على وجه الإطلاق، وإنما يجب أن نذكر صاحب المذهب ثم نذكر الغرض من التعليم الذي يلائم المذهب؛ فطريقة التعليم مستمدة من مذهب صاحبها.
والغرض من التعليم عند القابسي - وهو من فقهاء أهل السنة - غرض ديني يقصد منه تعليم القرآن ومعرفة العبادات المفروضة. وقد أوجزنا القول في حقل آخر عن التربية عند العرب وعرضنا هذه المذاهب المختلفة لنبين أن الاختلاف في أغراض التعليم ووسائله عند المسلمين إنما يرجع إلى اختلاف هذه المذاهب العقلية ...»