تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن يختار لجواره أصلح الطلاب حالا وأكثرهم اشتغالا، والمساكن العالية في المدارس لمن لا يضعف عن الصعود أولى. وقد قال الخطيب البغدادي: إن الغرف أولى بالحفظ، أما الضعيف أو من يقصد للفتيا والاشتغال عليه فالمساكن السفلية أولى بهم. والمراقي التي تقرب من الباب أو الدهليز أولى بالموثوق بهم، والمراقي الداخلية أولى بالمجهولين. (8)

أن يحافظ على أثاث المدرسة من الإتلاف والأوساخ. (9)

أن لا يتخذ باب المدرسة مجلسا، بل لا يجلس فيه إلا للحاجة كانقباض صدر أو ضيق، ولا يجلس كذلك في دهليزها المؤدي إلى الطريق، ولا يكثر من المشي في ساحة المدرسة من غير حاجة. (10)

أن لا ينظر في غرفة أحد من الطلاب أثناء مروره من شقوق الباب، وإن سلم سلم وهو ماش، ولا يكثر الإشارة والالتفات إلى الشبابيك والطاقات، لا سيما إذا كان فيها نساء، ويتحفظ من الضوضاء والصياح. (11)

أن يتقدم الطلاب على الدرس في حضور الدرس ويكونوا في أحسن الهيئات. وكان الشيخ أبو عمر بن الصلاح يقطع من يحضر من الطلاب بغير عمامة أو مفكك أزرار الفرجية والجبة.

هذه هي الشروط والآداب التي أضحت تقاليد متبعة في أكثر المدارس في الإسلام بعد أن وجدت تلك المدارس وكثرت واستقرت أنظمتها واتسقت أحوالها وبرامجها. (3) التعليم عند المسلمين «أهدافه، مواده، مناهجه» (3-1) توطئة في التعليم عند الأمم القديمة

قدمنا في الفصل الخاص ب «الكتاتيب» شيئا عن برامج التعليم فيها، ونريد هنا أن نبين شيئا عن برامج «المدرسة» وأهداف التعليم فيها، ونريد قبل أن نشرع في تفصيل ذلك أن نلم إلمامة بالتعليم عند الأمم القديمة المجاورة للمسلمين من فرس ويونان وروم ومسيحيين؛ لما في ذلك من فائدة، ولأن المسلمين قد اقتبسوا بعض ما يتعلق بالتعليم عن هذه الأمم. ولقد ظلت الدواوين في الدولة العربية بالفارسية والرومية إلى أيام عبد الملك، فكان طبيعيا جدا أن يركن إلى نظام التعليم عند الفرس والروم ليفيدوا منه ما يلائم أوضاعهم وأسلوب دولتهم، يقول الجهشياري: «... ولم يزل في الكوفة والبصرة ديوانان؛ أحدهما بالعربية لإحصاء الناس وأعطياتهم، وهذا الذي كان عمر قد رسمه، والآخر لوجوه الأموال الفارسية، وكان بالشام مثل ذلك أحدهما بالرومية والآخر بالعربية، فجرى الأمر على ذلك إلى أيام عبد الملك.»

174

وقال في موضع آخر: «وكان أكثر كتاب خراسان إذ ذاك مجوسا، وكانت الحسابات بالفارسية، فكتب يوسف بن عمرو - وكان يتقلد العراق في سنة أربع وعشرين ومائة - إلى نصر بن سيار كتابا أنفذه مع رجل يعرف بسليمان الطيار يأمره ألا يستعين بأحد من أهل الشرك في أعماله وكتابته.»

175

ولا شك في أن العرب كانوا يستمدون من الفرس والروم ما عندهم من آداب ونظم وتعاليم. أما عن الفرس فيقول الأستاذ علي أكبر مظاهري في رسالته المفيدة التي سماها «الأسرة الإيرانية قبل الإسلام»: «كان الطفل الإيراني قبل الإسلام يتعلم مهنة أبيه؛ لأن النظام الاجتماعي الفارسي في إيران كان يقضي بتوزيع الناس إلى طبقات يتوارث أبناء كل طبقة صناعة آبائهم وأهلهم.» وفي ذلك يقول الفردوسي:

لم يعرف أن أحدا كان أبوه حدادا فصار هو كاتبا، بل يرث كل طفل صناعة أبيه؛ فابن الفلاح يرث صناعة الفلاحة، وابن الصانع يرث الصناعة، وابن الكاتب يرث الكتابة، وابن الكاهن يرث علوم أبيه الكهنوتية، والجندي يرث صناعة أبيه الحرب ...

176

فهذا يدل على أن الناس في الأمة الإيرانية قبل الإسلام كانوا طبقات منظمة، وأن العلم كان له أربابه، وكذلك الكتابة والكهانة، وهي كلها صناعات ثقافية. وطبيعي جدا أن تؤثر هذه الصناعات الثقافية وأساليبها في العرب حين دخلوا بلاد فارس أو أن ينقلها الفرس إلى ديار الإسلام حين يعتنقون الإسلام. ومما هو جدير بالإشارة إليه أنه كان لدى طبقة الأشراف في فارس مربون يعلمون أبناءهم في قصورهم ولا يذهبون إلى المدارس الابتدائية كما يذهب أبناء طبقة الكتاب ، وكان هؤلاء المربون يعلمون أولئك الأطفال معلومات عامة في الدين والأدب والرياضة والفروسية والموسيقى. وتلي طبقة الأشراف هذه طبقة الكتاب التي يسعى أبناؤها إلى المدارس فيتعلمون الدين والآداب والفنون وآداب السلوك والأخلاق. ومما هو جدير بالذكر أيضا أنه على الرغم من وجود تلك الطبقات وتميز طبقة الأشراف بالمؤدبين، فإن أبناء الطبقات الأخرى جميعا كانوا متساوين في شيء واحد هو التعليم الديني الذي يتلقونه في المعابد، وكان ذلك التعليم الديني مزاجا من الديانة والتاريخ المقدس والتقويم والتراتيل الدينية. وقد كان لرجال المعابد طريقة تعليمية مفيدة يعلمون بها الأطفال وهي طريقة السؤال والجواب على النمط الآتي: أيها الطفل الإيراني، من تكون أنت؟

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٥٤