تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

62

فأنت ترى من هذا أن ابن خلدون يفضل الطريقة المتبعة في سائر ديار الإسلام على الطريقة التي يقترحها القاضي ابن العربي لأنها الطريقة التي تلائم عقلية الطفل ويتقبلها مستواه الفكري.

ولا يسعنا في هذا الموضع أن نهمل الإشارة إلى رأي المستشرق الفرنسي هنري بيريس الذي كتب كتابا قيما عن الشعر الأندلسي في القرن الخامس للهجرة/الحادي عشر للميلاد - فقد ذكر في بعض فصول كتابه مشيرا إلى الطريقة التي اقترحها ابن العربي في تعليم الأطفال في الأندلس: «... إن الطريقة التي تذكر عن ابن العربي وينتقدها ابن خلدون هي الطريقة التي كانت متبعة في بلاد الأندلس، وإنها الأفضل على الرغم من انتقاد ابن خلدون إياها.» وقد اعتمد البروفسور بيريس هذه النظرية وزعم أن الأندلسيين إنما خالفوا المشارقة في طريقتهم لأنهم وجدوا خطأ الطريقة الشرقية ... ولم يكتف بهذا القول، بل قال أيضا: «... إن الأندلسيين إنما فعلوا ذلك لأنهم وجدوا أن هذه الطريقة أجدى في التعليم.» ثم أخذ يفتش عن الأسباب التي حدت بالأندلسيين في زعمه إلى سلوك هذه الطريقة، وقد أداه بحثه إلى أن الأندلسيين إنما فعلوا ذلك متأثرين بالطريقة اليهودية والنصرانية التي كانت متبعة في تعليم الأطفال في بلاد الأندلس قبل دخول الإسلام إلى هاتيك الديار، كما أنهم قد تأثروا ببقايا التراث الإسباني القديم في تعليم الأطفال ...

63

وهذا قول غريب جدا واستنتاج جد عجيب؛ إذ لا يقوم عليه دليل، ولا يؤيده برهان، ولا يسيغه المنطق. والذي نراه ونؤمن به هو أن من فعل ذلك من الأندلسيين في تعليم أطفالهم إنما فعل ذلك مهتديا إليه بطبيعته العربية وسليقته الأدبية، وقد رأيت أن ابن خلدون، على الرغم من انتقاد تلك الطريقة، قد أعجب بها لما فيها من تقويم اللسان وتقوية الملكات قبل البداءة بدراسة القرآن، ثم إن الأندلسيين لم يكونوا وحدهم متبعين تلك الطريقة؛ فقد كان في المشارقة أيضا نفر ذهبوا في تعليم أولادهم هذا المذهب، وقالوا إنه لا يصح أن يبدأ الولد بتعلم القرآن قبل معرفة العدة والآلات التي تعينه على فهمه وإداراك معانيه. وممن قال بهذه الطريقة ابن الأعرابي الإمام النحوي المشهور والأديب اللغوي المعروف (؟-231ه)؛ فقد كان يرى أنه يحسن بالطفل أن يبدأ بتعلم العربية واللغة ويطلع على الشعر والنثر القديمين، فإذا أتقن ذلك كله طلب إليه أن يقرأ القرآن حتى إذا ما قرأه استطاع أن يعيه ويفهمه. وقد نقل المبرد مثل هذا الرأي عن الإمام علي رضوان الله عليه وسلامه،

64

ونقل الجاحظ عن الحجاج بن يوسف الثقفي أنه أوصى مؤدب ولده - وهو المؤدب المعلم القديم - بأن يعلمهم السباحة وما إليها من ترويض الجسم أولا ثم يعلمهم القراءة والكتابة، قال: «علم ولدي السباحة قبل الكتابة؛ فهم يصيبون من يكتب عنهم ولا يصيبون من يسبح عنهم»،

65

ويروي الجاحظ أيضا أن عمر بن الخطاب كتب إلى ساكني الأمصار: أما بعد فعلموا أولادكم العوم والفروسية ورووهم ما سار من المثل وحسن من الشعر،

66

فأنت ترى من هذه الأقوال أن في المسلمين من المشرق جماعة كانت تذهب مذهب أهل المغرب من وجوب تقديم تعليم آلات القرآن على القرآن نفسه.

أمور أخرى تتعلق بالتعليم الأولي في الكتاتيب

أخذ الأجرة على التعليم:

أشرنا فيما مضى إلى أن جماعة من قدماء المعلمين والمربين كانوا يتحرجون من تناول الأجرة على التعليم، وبخاصة تعليم القرآن وعلوم الدين، ونحب ها هنا أن نفصل هذا الأمر الهام الذي يبين لنا طرفا ساميا من أخلاق المسلمين الأولين، كما يبين لنا سرا من أسرار التقدم العلمي العجيب الذي قام به العرب على الرغم من قلة الوسائل وقصر المدة.

أورد البخاري في الجامع الصحيح عن الإمام ابن عباس أن النبي

صلى الله عليه وسلم

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٣٢