قال ابن سحنون: وينبغي له أن يعلمهم إعراب القرآن وذلك لازم له، والشكل والهجاء والخط الحسن، والقراءة الحسنة والتوقيف والترتيل ... ولا بأس أن يعلمهم الشعر مما لا يكون في فحش من كلام العرب وأخبارها، وليس ذلك بواجب عليه، ويلزمه أن يعلمهم ما علم من القراءة الحسنة، وهو مقرأ نافع
58
ولا بأس إن أقرأهم لغيره إذا لم يكن مستبشعا،
59
ولا يجوز أن يقرأ القرآن بالألحان، ولا أرى أن يعلمهم التحبير؛
60
لأن ذلك داعية الغناء وهو مكروه، وأن ينهى عن ذلك بأشد النهي، وليعلمهم الأدب فإنه من الواجب لله عليه النصيحة وحفظهم ورعايتهم، وليجعل الكتب من الضحى إلى وقت الانقلاب - أي الانصراف - ولا بأس أن يجعلهم يملي بعضهم على بعض؛ لأن في ذلك منفعة لهم، وليتفقد إملاءهم، ولا يجوز أن ينقلهم من سورة إلى سورة حتى يحفظوها بإعرابها وكتابتها إلا أن يسهل له الآباء ... ويلزمه أن يعلمهم الوضوء والصلاة لأن ذلك دينهم ...
61
ويظهر أن هذه الطريقة كانت متبعة في أكثر أنحاء العالم الإسلامي إلا الأندلسي، ويظهر أن الإمام أبا بكر بن عربي العالم الأندلسي المشهور (؟-543) قد انتقد هذه الطريقة بعد أن طاف في العالم الإسلامي ووجد أن أطفال المسلمين في كافة أصقاع الإسلام التي زارها يبدءون بتعلم القرآن دون أن يعوه؛ فانتقد ذلك في العواصم من القواصم «... فصار الطفل عندهم إذا عقل، فإن سلكوا به أمثل طريقة لهم علموه كتاب الله، فإذا حذقه نقلوه إلى الأدب، فإذا نهض منه حفظوه الموطأ، فإذا أتقنه نقلوه إلى المدونة ...»
ويقول ابن خلدون، في الفصل الذي عقده لبيان تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية وطرقه: «اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار من شعار الدين أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات، فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله واختلاف حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم لا من حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه ... وأما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو؛ وهذا هو الذي يراعونه في التعليم، إلا أنه لما كان القرآن أصل ذلك ورأسه ومنبع الدين والعلوم جعلوه أصلا في التعليم فلا يقتصرون لذلك عليه فقط، بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب والترسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجويد الخط والكتاب، ولا تختص عنايتهم في التعليم بالقرآن دون هذه، بل عنايتهم فيه بالخط أكثر من جميعها إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة ... فأفادهم التفنن في التعليم وكثرة رواية الشعر والترسل ومدارسة العربية من أول العمر حصول ملكة صاروا بها أعرف في اللسان العربي، وقصروا في سائر العلوم لبعدهم عن مدارسة القرآن والحديث الذي هو أصل العلوم وأساسها؛ فكانوا لذلك أهل خط وأدب بارع أو مقصر على حسب ما يكون التعليم الثاني من بعد تعليم الصبا.
ولقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب رحلته إلى طريقة غريبة في وجه التعليم وأعاد في ذلك وأبدأ، وقدم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم كما هو مذهب أهل الأندلس، قال: لأن الشعر ديوان العرب. ويدعو إلى تقديمه وتعليم العربية في التعليم ضرورة فساد اللغة، ثم ينتقل منه إلى الحساب ليتمرن فيه حتى يرى القوانين، ثم ينتقل إلى درس القرآن فإنه يتيسر عليه بهذه المقدمة. ثم قال: ويا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره يقرأ ما لا يفهم وينصب في أمر غيره أهم عليه. ثم قال: ينظر في أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الجدل ثم الحديث وعلومه، ونهى مع ذلك أن يخلط في التعليم علمان، إلا أن يكون المتعلم قابلا لذلك بجودة الفهم والنشاط. هذا ما أشار إليه القاضي أبو بكر - رحمه الله - وهو لعمري مذهب حسن إلا أن العوائد لا تساعد عليه وهي أملك بالأحوال، ووجه ما اختصت به العوائد من تقدم دراسة القرآن إيثارا للتبرك والثواب وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبا من الآفات والقواطع عن العلم فيفوته القرآن لأنه ما دام في الحجر منقاد للحكم، فإذا تجاوز البلوغ وانحل من ربقة القهر فربما عصفت به رياح الشبيبة فألقته بساحل البطالة فيغتنمون في زمان الحجر وربقة القهر تحصيل القرآن لئلا يذهب خلوا منه. ولو حصل اليقين باستمراره في طلب العلم وقبوله التعليم لكان هذا المذهب الذي ذكره القاضي أولى ما أخذ به أهل المغرب والمشرق ...»