تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما البحاثون المحدثون من أبناء الضاد فلم يؤتوا هذا البحث صفة من العناية، ولم أر حتى الآن أحدا من رجالات العرب وعلمائهم القوميين الصادقين اهتم بهذا الأمر ووفاه ما يستحق من جهد.

وأما البحاثون من المستشرقين، والغربيين بصورة عامة، ممن عنوا بهذه النواحي، فإنهم على قلتهم أصحاب أغراض - في الغالب - يدسون السم في الدسم، ومهما يزعموا من أنهم مخلصون في أبحاثهم، وأنهم يكتبون ما يكتبون بروح علمية خالصة، فإنهم غير صادقين، اللهم إلا نفرا قليلا منهم يعد على أصابع اليد الواحدة.

ثم إن فيما خلف لنا آباؤنا من تراث علمي في بحوث التربية، التي نشر قسم قليل جدا منها، والتي ما يزال أكثرها مخطوطا ينتظر الناشر؛ لنظريات وبحوثا وآراء يجدر بالباحثين درسها ومناقشتها والوقوف عندها طويلا للإفادة منها في توجيه حركاتنا الثقافية والعلمية والتربوية، والاهتداء بنورها في نهضتنا العربية المتوخاة، فإن أمة استطاعت أن تخرج من جزيرتها وتسيطر على العالم المتمدن إذ ذاك، وتفرض عليه لغتها ودينها وقوانينها، وتطبعه بطابعها لأمة جديرة بالبحث. ولا شك في أنه قد كانت لها أساليب ومناهج تربوية صالحة استطاعت بها أن تخلق أجيالا صالحة تبدع ذلك الإبداع الذي خلفته في آثارها في السياسة والتشريع والعلم والفن والعمران.

إن الإمبراطورية التي شادها أسلافنا العرب بحضارتها وآثارها الباقية لم تكن أمرا مرتجلا، ولا أخبارها ملفقة مكذوبة، بل هي حقائق ثابتة تتبعت سنن النشوء والارتقاء، وسار عليها العرب متدرجين منذ أقصى عصور التاريخ حتى وصلوا إليها في فجر الإسلام، وإن تلك النهضة التي ظهرت يوم قيام الرسول الكريم كانت نتيجة طبيعية لحركات حضارية سابقة، ونتيجة لمقدمات حضارية متسقة تعتمد على التربية والأسس العلمية التي تدرج عليها العرب في دولهم قبل الإسلام. فلما جاء الإسلام اشتد ساعدها، واكتملت مقوماتها فوزعوها على العالم، وفرضوها على سكان إمبراطوريتهم المترامية الأطراف، فقبلها سكان تلك الديار طواعية لما اعتنقوا الدين الجديد، فما هي تلك التربية؟ وما هي أسسها؟ وما هي الأدوار الرئيسية التي مرت بها؟

إن تلك التربية التي قامت بها حضارتنا العربية هي تربية كانت تعتمد على المواطن المتعلم المؤمن القوي المهذب المضحي. أما أسسها فثلاثة، وهي: التعاون، والحرية، والمساواة.

ولقد مرت هذه التربية في أدوار أربعة رئيسية اكتملت في الدورين الأولين تماما، وآتت ثمرتها في الدورين الأخيرين.

الدور الأول

أما الدور الأول فهو دور الفترة التاريخية الطويلة التي قضتها الأمة العربية في جزيرتها قبل الإسلام، وقبل أن تتصل اتصالا قويا بالشعوب الأخرى كما حصل فيما بعد الإسلام. فقد قامت لعرب الجزيرة جنوبا في اليمن حضارة قديمة عريقة كما قامت لعرب الشمال حضارة خالدة فاضلة، ولكلتا الحضارتين تاريخ لامع وآثار شاهدة، مما لا مجال لإفاضة الحديث عنه ها هنا. أما سكان وسط الجزيرة في الحجاز ونجد، فقد كانت لهم حضارة أيضا، وكانوا ضاربين بسهم غير قليل في الحياة الراقية التي لا تقل عن حضارة عرب الشمال وعرب الجنوب؛ ففي هذا الإقليم الوسط تقوم الكعبة التي تهوي إليها قلوب العرب أجمعين، والتي هي موضع عزهم، ومن هذا الإقليم أيضا مكة أم القرى ومسكن قريش سيدة القبائل العربية وأعزها سلطانا في الدين والدنيا، وفيه أيضا يثرب أخصب أراضي ذلك الإقليم وأطيبها تربة وأعمرها بقعة، وفيه أيضا الطائف مدينة العلم والنشاط الفكري والتجارة، وفيها أفصح القبائل العربية وأكثرها حكمة، وفيه أجل أسواق الجزيرة العربية: عكاظ، ومجنة، وذي المجاز. وهذا القسم الأوسط من الجزيرة ممتاز عن القسمين الشمالي والجنوبي بأنه عربي بحت، لم تطأه قدم محتل أجنبي ولا تسلط عليه إنسان غير عربي، بخلاف الشمال والجنوب؛ فالحجاز - وما إليه - بلد عربي عريق في عروبته، عريق في استقلاله وسيادته منذ أقدم العصور لمكانه الحصين، وحرمته المقدسة، وصموده أمام النكبات، وما ذلك إلا لمكانة مكة المقدسة وسيطرة قريش العزيزة.

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٣