تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن أعداء القومية العربية وخصومها الذين ينتقصون العرب اليوم هم واحد من ثلاثة: إما صهيوني مجرم يكره العرب ويعمل على تثبيت أقدام اليهود في فلسطين، وتوطيد دولة إسرائيل الظالمة التي أخرجت العرب من ديارهم وانتهكت حرماتهم، وداست مقدساتهم وملكت أراضيهم وبيوتهم بالباطل والعدوان؛ وإما عميل خاسر من عملاء الأجانب وجواسيس الاستعمار ممن لهم مصالح استعمارية في ديار العرب، أو ممن يطمعون في السيطرة على جزء من ديارهم ؛ وإما شعوبي ضال ملأ الحقد صدره وران الضلال على قلبه، فأخذ يلصق التهم الباطلة بالعرب وينقب مساوئهم وعيوبهم - وفي كل أمة مساوئ وعيوب - ويعمل على نشرها بين الناس لإيقاع الفتنة وبث الفساد.

هؤلاء هم أعداء القومية العربية اليوم، ولم يكن أعداؤها بالأمس البعيد إلا من هذا النمط؛ فقد كانوا أيضا واحدا من ثلاثة:

إما مجوسي حانق على العرب لقضائهم على دولة الأكاسرة وتحطيمهم لغتهم وهدمهم دينهم، وإحلال العربية والإسلام محلهما.

وإما مغولي أو رومي نفخ الشيطان فيه الغرور، ووسوس في صدره إبليس فزعم له أن هؤلاء العرب الذين احتلوا دياره، وقضوا على مملكته وفرضوا عليه دينهم ولغتهم وتقاليدهم وآدابهم ليسوا خيرا منه، ولا لهم من الماضي والقوة ما له.

وإما عربي ملحد استهواه الكفرة بقوميته، وضحك عليه الهازئون بدينه، فاتبع أهواءهم وضل ضلالهم زاعما أنه حر الفكر واسع النظر، فأخذ يعمل وإياهم على هدم الإسلام والعروبة عن طريق انتقاص قومه والطعن في دينه، وهو يظن أنه يحسن صنعا.

هؤلاء هم شعوبيو الأمس الذين كان يمثلهم الحسن الأصفهاني وأبو الريحان البيروني وابن الراوندي والحسن الصباح والفردوسي، وغيرهم من القدماء الذين مجدوا الشعوبية، وألفوا في انتقاص العرب. وأما شعوبيو اليوم فهم نفر من مؤلفي الغربيين، وعلى رأسهم كثرة من المستشرقين ونفر من كتاب العرب ومحرري بعض الصحف، ورجال السياسة والمعارف، وبعض الشبان الأغرار الذين استهوتهم أباطيل هؤلاء جميعا.

وإنه لمن المؤسف المؤلم أن يكون عددهم بيننا أضحى يزداد يوما بعد يوم لغزو المؤلفات الغربية ديارنا بكثرة، ولانحطاط الأخلاق المستمر وتدهور الوازع الديني، وفشو الرجعية العقلية، وانعدام المناهج التربوية المفيدة التي تعتمد على خلق الروح القومية في الشاب العربي المسلم.

ونحن نرى أن النقطة التي يجب على القوميين العرب الاهتمام بها في هذه الآونة من تاريخنا، للتخلص من ربقة الذل، وطرد المستعمر المسيطر على بعض ديار العروبة من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي، بعد الاستعداد العسكري الكامل؛ هي دراسة أسس التربية العربية القومية والإسلامية، وبحثها من جديد للعمل على خلق جيل صالح مؤمن خير من هذا الجيل الحاضر المنحل في علمه ودينه وخلقه، وعلى قواعد علمية متينة.

فما هي هذه الأسس؟ وما هي تلك القواعد؟ وأين يجب البحث عنها للتعرف على أسرار التربية النفسية التي بها قامت الدولة العربية، وعلى مناهجها شيدت الحضارة الإسلامية؟

لقد فكرت في هذا الأمر طويلا، واهتممت بالبحث فيه منذ زمن بعيد، وعنيت بدراسة التربية العربية وقواعدها وأسسها؛ تلك التربية التي ساهمت مساهمة فعالة في بناء الحضارة العربية، والتي تعتبر بحق نقطة تطور هامة في تاريخ التربية في العالم. وقد ألفت في ذلك رسالتي التي قدمتها إلى السربون في فرنسة لنيل شهادة الدكتوراه في سنة 1939م، وأنا منذ ذلك الحين أبحث وأدرس، وأدأب على التنقيب عن المناهج التربوية القويمة التي سار عليها العرب في خلق أطفالهم وتكوين شبانهم، وإنشاء رجالهم وتثقيف بناتهم، حتى استطاعوا أن يخلقوا تلك الحضارة العربية الخالدة.

لقد كتب في هذه الموضوع جمهرة من علمائنا القدامى الأفذاذ، وبحثوا فيه بحوثا مفيدة لا تقل عن بحوثهم في سائر فروع العلم، أمثال: الإمام محمد بن سحفون، والقابسي، وابن العربي، وابن سينا، وابن رشد، والغزالي، وابن خلدون، والعلموي، والزرنوحي، وغيرهم ممن لا مجال للبحث عنهم وعرض بحوثهم هنا.

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٢