49 •••
أما في العصر العباسي فقد انتظم أمر هذه الكتاتيب بصورة فنية فائقة؛ لعناية الناس بأمر أولادهم من جهة، ولاشتداد الدولة واهتمامها بأمر التعليم وما إليه من الشئون العامة من جهة أخرى.
ويلاحظ أن معلمي الكتاتيب منذ العصر الأموي قد كانوا منقسمين إلى قسمين:
أولهما:
معلمو كتاتيب العامة الذين كانوا يهتمون بتعليم أبناء الطبقة المتوسطة وسواد الشعب.
وثانيهما:
معلمو أبناء الطبقة العليا والأمراء والنبلاء والأثرياء، وكان لهؤلاء المعلمين اسم يمتازون به وهو اسم «المؤدبين».
وكان إلى جانب هؤلاء جميعا طبقة هي طبقة كبار المؤدبين الذين امتازوا بسعة اطلاعهم في الثقافة العربية الإسلامية، إلى جانب تعمقهم في ضروب من العلم والأدب واضطلاعهم بآداب الأمم السابقة وتقاليد الملوك الغابرة، وكلم الحكماء والفلاسفة القدماء، وكان هؤلاء يختصون بتربية أبناء الخلفاء وولاة العهد وغيرهم من أبناء الأسرة الحاكمة وكبار الأمراء. نذكر منهم الأئمة سيبويه والكسائي والأصمعي، وغيرهم من طبقة كبار علماء الإسلام.
وكان إلى جانب هؤلاء أيضا طبقة من العلماء الأعراب البداة الذين ورثوا علم البادية، وحفظوا أشعار القبائل ووعوا أخبارهم، وكانت لهم ثقافة واسعة في العربية، فكان هؤلاء يطوفون على أصحاب الكتاتيب والمؤدبين وكبار العلماء فيفيدونهم من علمهم ويستفيدون مما عندهم. ونذكر منهم أسعد الرياحي، وأبا مسهر مؤدب البرامكة، وأبا العميثل بن خليد معلم عبد الله بن طاهر ومحمد قادم، وأبا عمرو الشيباني، وغيرهم ممن سنذكرهم بعد.
50
كما يلاحظ أيضا أن الكتاتيب قد انقسمت إلى قسمين أيضا:
أولهما:
كتاتيب أولية كان يتعلم الأطفال فيها القراءة والكتابة ويحفظون القرآن ومبادئ الدين وأوليات الحساب.
وثانيهما:
كتاتيب قانونية - إن صح هذا التعبير - كانت لتعليم الأطفال والشبان علوم اللغة والآداب، وكانوا يتوسعون فيها بعلوم الدين والحديث وسائر صنوف العلم الأخرى بصورة عامة.
معلمو الكتاتيب وآدابهم
قلنا فيما سبق إن الحكومة لم تكن تشرف في صدر الملة الإسلامية على المعلمين وكتاتيبهم، وإنما كانت الرقابة متروكة لدين المعلم ووجدانه وخلقه، وقد كان الناس في صدر الملة الإسلامية يخافون الله فيراقبون أنفسهم، وكان كثير من المعلمين والمربين يعلمون وهم لا يبغون من التعلم إلا الاحتساب وطلب الثواب، فلما تطورت الحياة في المجتمع الإسلامي، ودخل في كيان الدولة الفساد صار الآباء يهتمون بانتقاء أفاضل المعلمين لأولادهم كما ينتقون العارفين بهذه المهنة، وكانوا يتطلبون من معلم الكتاب أن يكون ذا ثقافة محدودة، وعلم بعينه، ويطلبون منه أيضا أن يكون عارفا بسياسة الأطفال وعلم نفسياتهم، وأن يكون دينا ورعا متزوجا، ولا يجيزون للشباب المراهقين مزاولة هذه المهنة.
هذا وقد اشترط المسلمون منذ زمن مبكر في معلمي الكتاتيب وأساتيذ الأطفال والشبان في التعليم الأولي والثاني شروطا عديدة، أهمها: (1)
أن يقصد الواحد منهم لعمله التهذيبي هذا وجه الله تعالى، وأن يكون اشتغاله بالتعليم في سبيل الله تعالى لإصلاح ناشئة المسلمين، لا طمعا في مال أو جاه، فإن فعل ذلك ضل. قال سفيان بن عيينة: كنت قد أوتيت فهم القرآن فلما قبلت الصرة من أبي جعفر سلبته. (2)
أن يكون قوي اليقين بالله عز وجل، وأن يقوم بشعائر الدين وإظهار السنن وإخماد البدع، وأن يتخلق بمحاسن الأخلاق حتى يقذف الله في قلبه الفهم. قال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب. (3)
أن يتنزه في ساعات فراغه عن امتهان المهن الحقيرة كالحجامة والدباغة وما إلى ذلك ... (4)
أن ينظف جسمه بإزالة الأوساخ وتقصير الأظافير، واجتناب الروائح الكريهة. (5)