تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قوى السعوديون صلاتهم بالزعماء الدينيين المصلحين في الأقطار الأخرى كالشيخ محمد عبده في مصر والألوسيين في العراق، وازدادت هذه الصلة قوة حين نبغ من تلاميذهم السيد محمد رشيد رضا، والشيخ عبد القادر المغربي - رحمهما الله - والشيخان محمد بهجة الأثري، ومحمد بهجة البيطار - حفظهما الله.

وكان إلى جانب هذه الحركة السياسية التي قامت في قلب الجزيرة العربية، حركة أخرى تمت بصلة قوية إلى الناحية السياسية، وهي حركة الجمعية الخيرية التي قامت في دمشق في أواخر عهد الوالي المصلح مدحت باشا سنة 1878م/1295ه برعاية الوالي نفسه، وكان على رأسها العلامة الكبير الشيخ طاهر الجزائري، ومن رجالاتها رفيق بك العظم، وعطا أفندي الكيلاني، والأمير شكيب أرسلان، وسليم أفندي البخاري والشيخ جمال الدين القاسمي، وأسعد بك الدرويش، وسليم بك الجزائري، وشكري بك العسلي، وعبد الوهاب بك الإنكليزي، وأستاذنا فارس بك الخوري، وغيرهم من الشبان العرب المخلصين. وقد امتدت حركتهم من سورية إلى لبنان، فاتصلوا ببعض رجالاته في بيروت كالشيخ أحمد عباس الأزهري، والشيخ عبد القادر المغربي، والشيخ محمد رشيد رضا، والأمير شكيب أرسلان، والسيد عبد الغني العريسي، والسيد محمد المحمصاني، والسيد عمر حمد ، وعملوا جميعا في دمشق وبيروت على إحياء جذوة القومية العربية والوقوف أمام حملة التتريك، التي كانت تسعى إليها الدولة العثمانية، وإن كانوا يختلفون في الطريق المؤدية إلى ذلك، فبعضهم يرى أن الحركة يجب أن تهدف إلى انتزاع حقوق العرب من الأتراك انتزاعا بالقوة بعيدا عن الجامعة العثمانية الإسلامية، وهو رأي الشبان، وبعضهم يرى أن الأصلح في نظرهم وفي تلك الظروف أن يكون ذلك ضمن الجامعة العثمانية الإسلامية، وهو رأي الشيوخ، وكان شيخنا المغربي، والشيخ رشيد رضا، والأمير شكيب أرسلان يرون الرأي الثاني كما سنفصله فيما بعد.

أما بعد فهذه لمحة رأينا أن نقدمها بين يدي محاضراتنا؛ لنبين البيئة التي ظهر فيها الشيخ الإمام عبد القادر المغربي، والمحيط الذي نشأ فيه، والحالة الاجتماعية والثقافة التي كانت عليها بلاد الشام في تلك الفترة.

| أسرته وسيرته

في السابع والعشرين من شهر شوال سنة 1375ه الموافق ليوم 7 / 6 / 1956م فجعت اللغة العربية والأمة الإسلامية بالشيخ الإمام المصلح اللغوي عبد القادر المغربي بعد جهاد طويل في سبيل خدمتهما، والسعي المتواصل لرفعة شأنهما والذب عن كيانهما، دام ستين سنة على أقل تقدير، فقد ولد رحمه الله في 1284ه/1867م، وحمل القلم مجاهدا ومصلحا، وله عشرون سنة، فلم يتركه حتى توفاه الله.

والفقيد من أسرة علمية عريقة في الدين والفضل.

فأبوه هو الشيخ مصطفى بن أحمد بن عبد القادر بن عبد الرحمن المغربي. وعبد الرحمن هذا

1

تولى منصب الإفتاء في اللاذقية وطرابلس والشام مدة 45 سنة، وقد ترجمه المرادي في تاريخه «سلك الدرر»، وقال: إن وفاته كانت سنة 1191ه، وبيتهم في طرابلس، كما في تونس، بيت علم وقضاء وفتيا، استمر ذلك فيهم منذ أن هاجر جدهم «الشيخ محمد درغوث طورغود» من تونس إلى طرابلس في أواخر القرن الحادي عشر للهجرة.

وكان للشيخ أحمد عناية خاصة بتنشئة ولده مصطفى على العلم، فتلقى التجويد على «الشيخ العريف»، وطلب مبادئ العربية على «الشيخ عرابي»، وكان من رفاقه في هذا الطلب مصطفى أفندي كرامة والشيخ إبراهيم الأحدب نزيل بيروت، ثم عكف على تلقي العلوم الدينية من حديث وتفسير وفقه على «الشيخ رشيد الميقاتي»، واشتهر في ذلك العهد «الشيخ يوسف الأسير الصيداوي ثم البيروتي» في فنون العربية وآدابها، فاستدعاه الشيخ أحمد إلى طرابلس للإقامة ضيفا في داره وتعليم ولده، فلبى الطلب، وأخذ يعلمه اللغة والأدب، وقد وجدت في خزانة آل المغربي نسخة مخطوطة من مقامات الحريري في ذيلها إجازة بخط الشيخ يوسف الأسير لتلميذه مصطفى، الذي قرأها عليه قراءة ضبط وتصحيح. ولما بلغ مصطفى نحو العشرين من عمره أحب أبوه إرساله إلى الأزهر لإكمال التحصيل، فذهب في سنة 1268ه ولم تطل مدة إقامته فيه لرمد شديد أصابه، فكتب إليه والده بالحضور إلى طرابلس بعد أن أجازه شيوخه: الباجوري، والرشيدي، والسقا، والمبلط، والدمنهوري. وفي عودة مصطفى إلى طرابلس مر ببيروت، فأجازه مفتيها «الشيخ محمد الحلواني»، وفي سنة 1272ه تزوج بالسيدة أسماء كريمة «الحاج عثمان علم الدين» من كبار تجار طرابلس، وكانت بين الأسرتين محبة وود قديم، ثم توفي والده، وكان عمره بضعا وعشرين سنة، فنشط إلى العمل وضاقت عليه طرابلس، فتيمم دمشق التي كانت مركز ولاية سورية. وكانت طرابلس متصرفية ملحقة بها؛ للاجتماع بعلمائها الأعلام والاستزادة من طلب العلوم، وكان أشد اتصاله بالأمير عبد القادر الجزائري الذي كان حديث العهد بالوفود إلى دمشق، ثم ما لبث أن تولى سنة 1280ه القضاء في محكمة الميدان، إحدى محاكم دمشق الأربع يومئذ، ولم يشغله ذلك عن العلم ومثافنة العلماء، وكان كلما وجد فرصة للعمل شغلها بتأليف رسالة في الفنون الشرعية أو غيرها، حتى تجمع لديه عدة رسائل، وطائفة من هذه الرسائل متوجة بإهدائها إلى الأمير عبد القادر رحمه الله، مما يجدر بنا ذكره في هذه المناسبة أنه في سنة 1310ه زار عبد القادر المغربي في الآستانة الأمير محمد بن عبد القادر الجزائري، فأراه هذا رسالة مخطوطة وقال له: خط من هذا؟ فقال له عبد القادر: خط والدي، ثم تصفح الرسالة، فإذا هي في إعراب بعض ألغاز الشواهد، فقال الأمير محمد: كان والدي تعجبه مناظرة العلماء في مجلسه، وكان له ابن عمه، وهو الشيخ مصطفى التهامي، فكان يثير خلافا نحويا أو لغويا في المجلس حتى يسمع ما يقول العلماء فيه، وكان أشد ما يحتدم النزاع بين المصطفوين المغربيين: المغربي والدك والمغربي ابن عمة أبي الأمير عبد القادر، واختلفا في بيت من أبيات الشواهد النحوية، وبعد أيام وضع والدك رسالة في معنى البيت وإعرابه، وافتتحها بإهدائها للأمير، وهي هذه التي في يدك، وتاريخها 1275ه.

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربي · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربيص ٤