تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا كانت حالة ولاية دمشق، ولم تكن حالة سائر ولايات الشام أو غيره من أجزاء العالم العربي أحسن وضعا؛ ولذلك تداعى العقلاء وأهل الحكمة والوعي ، إلى العمل في كافة الحقوق المؤدية إلى إثارة القومية الصحيحة، والإصلاح العام، والتوجيه المستقيم، لا في السياسة وحسب، بل في التعليم والأدب والاجتماع والإصلاح.

أما التعليم والأدب فقد كان أول المجالات التي ابتدأ فيها الإصلاح؛ ففي القرن السابع عشر نبغ في حلب المطران جرمانوس فرحات (1670-1732م) العالم المصلح الذي رأى فساد اللغة العربية، فعمل على إصلاحها والتأليف فيها، وعرب الإنجيل تعريبا صحيحا مسجوعا، عرف الكنيسة فصاحة لغة العرب، ووضع معجما صغيرا سماه «الإعراب عن لسان الأعراب»، وأوجد أول مجمع علمي لغوي في حلب، انتخب له نخبة من علماء حلب الدينيين والمدنيين، الذين انصرفوا إلى الترجمة والنقل، وكانوا يعرضون عليه نتاجهم فينقحه، وأخذ يسعى في جمع المخطوطات العربية، وبذلك غدت حلب في عهده مركز الإشعاع الفكري في النهضة الحديثة، ومنها انتقل إلى لبنان وسورية، فظهر فيهما نفر من رجال الفكر أمثال: الشيخ أحمد عبد اللطيف البربير (1747-1811م)، وبطرس كرامة (1774-1851م)، وأمين الجندي (1756-1840م)، والشيخ ناصيف اليازجي (1800-1871م)، والشيخ يوسف الأسير (1814-1889م)، وأحمد فارس الشدياق (1804-1888م)، وبطرس البستاني (1819-1883م)، والشيخ إبراهيم الأحدب (1826-1890م)، والشيخ حسين الجسر (1845-1909م)، والشيخ حسين بيهم (1833-1881م)، والشيخ طاهر الجزائري (1850-1919م)، والشيخ عمر الأنسي (1821-1876م) ...

وليس ها هنا مجال البحث التفصيلي في التعليم والأدب.

وأما الاجتماع والإصلاح فقد نبغ أوائل القرن التاسع عشر نفر من المصلحين في سورية ولبنان رأوا سوء الحالة الاجتماعية التي كان عليها قومهم، فألفوا في الإصلاح آثارا كان لها وقعها، وتأثيرها في المجتمع العربي وهم: أحمد فارس الشدياق (1804-1888م) في مقالاته العديدة وكتبه الكثيرة، وأجلها «الفارياق» و«كشف المخبأ» و«كنز الرغائب».

وفرنسيس المراش (1826-1873م) في كتابيه «مشهد الأحوال» و«غابة الحق».

وسليم بطرس البستاني (1848-1884م) في رواياته الإصلاحية، سواء التي ترجمها، أو التي ألفها، أو في مقالاته التي ملأ بها جداول مجلته «الجنان».

وإبراهيم اليازجي (1847-1906م) في قصائده التوجيهية، أو في مقالاته القومية التي نشرها في جريدة «النجاح»، أو مجلة «الضياء».

وعبد الرحمن الكواكبي (1849-1902م) في مقالاته الإصلاحية التي نشرها في «جريدة الشهباء» وفي كتابيه المشهورين «أم القرى» و«طبائع الاستبداد».

وأديب إسحق (1856-1885م) في مقالاته التي نشرها في «جريدة التقدم» أو رواياته الاجتماعية التي ألفها أو ترجمها أو في كتبه الاجتماعية.

وشبلي الشميل (1860-1916م) في مقالاته التوجيهية الجدلية، ومباحثه العلمية، وبخاصة مباحث علم النشوء والارتقاء.

وفرح أنطون (1861-1922م) في رواياته الاجتماعية التي ترجمها أو ألفها، وفي مباحثه الفلسفية والاجتماعية التي نشرها.

ونجيب الحداد (1867-1899م) في رواياته الإصلاحية ومقالاته النقدية.

وعلامتنا وشيخنا دولة الأستاذ فارس الخوري مد الله في عمره (1877م) في مقالاته وقصائده الإصلاحية ومباحثه السياسية والقانونية والاجتماعية.

هؤلاء هم أئمة الشاميين المصلحين في القرن التاسع عشر.

أما الناحية السياسية القومية فقد ظهرت في الجزيرة العربية منذ أن قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب 1115-1206ه/1703-1787م بدعوته الدينية الإصلاحية الرامية إلى تطهير الإسلام مما علق به من البدع، وقد اعتنق فكرته الأمراء السعوديون في أوائل القرن التاسع عشر، وكان هذا بدء الانطلاق في القومية العربية الهادفة إلى استقلال الجزيرة العربية، وما حولها من البلاد العربية عن السلطنة العثمانية.

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربي · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربيص ٣