تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

وأنه صادق في دعوى الرسالة والوحي، ثم تقريع المكذبين وتخويفهم ما بين أيديهم من هول الحشر والحساب، وأن هذا الحشر ممكن وسيقع بالفعل، فيلقى كل فريق من الجاحدين والمؤمنين جزاه اللائق به، في داره المعدة له، ووصف هاتين الدارين وصفا بديعا في أسلوبه عجيبا في نسقه وتركيبه، ويتخلل الآيات تسلية النبي

صلى الله عليه وسلم

وتقوية قلبه الشريف وحثه على الصبر والتجلد والتأسي بإخوانه الأنبياء الذين تقدموه ولقوا من أممهم مثل ما لقي أو أشد.

9

ويلاحظ أن المغربي قد أسهب في تفسير آيات نعيم المؤمنين في دار الآخرة فقد فسرها تفسيرا قال عنه: «كانت تعرض لي وأنا أباشر التفسير، آيات النعيم ووصف ملذات الجنة والأشياء التي يستمتع بها في بحابحها فكنت أفسرها تفسيرا ينفي الشبهة، ويزيح الشكوك، ويلتحم مع العقل السليم من دون أن أخرج عن قواعد اللغة والمعهود في أساليب العرب ومذاهبهم الكلامية، ومن دون أن أتخطى قواعد الإسلام وسلامة أصوله، التي تبنى عليها علاقة العقيدة، غير أني (من حيث لا أشعر)، كنت أسهب في تفسير آيات الملذات إسهابا رأيتني فيه خرجت عن الاختصار الذي التزمته في تفسير آيات جزء تبارك». والحق أن المغربي قد سلك في هذا الطريق مسلكا ارتآه، ولكن جماعة من العلماء خالفوه فيه قديما وحديثا ذاهبين إلى أن ملذات الآخرة كملذات الدنيا التي يتمتع بها الجسم وتلذها العين واليد لا كما يقول هو من أنها ملذات روحية روحانية.

وقد انقسم أولئك العلماء إلى فريقين: فريق أول هم جمهور العلماء المتقدمين ومن تبعهم من عامة المسلمين إلى اليوم ممن قالوا بأن ما ذكره الله في القرآن عن الجنة وأسباب نعيمها داخل كله تحت القدرة الإلهية والإمكان العقلي، وقد خلق نظيره في دنيانا هذه، ومن خلق هذا قادر بالضرورة على خلق ذاك، فالواجب تصديقه والإيمان به من دون تأويل أو تعليل، حتى قال أبو قلابة المفسر المحدث البغدادي (279) في تفسير قوله تعالى:

وسقاهم ربهم شرابا طهورا : إن أهل الجنة يؤتون بالطعام والشراب ممزوجا بالكافور والزنجبيل، فإذا أكلوا وشربوا ما شاءوا دعوا بالشراب الطهور المذكور فيشربونه، فتطهر بذلك بطونهم، ويفيض عرق من جلودهم كريح المسك، فتضمر بذلك بطونهم.

10

وفريق ثان هم الصوفية الذين اشتهروا بعشق الحضرة الإلهية والاستغراق في تقديس الذات الأحدية، فكلام هؤلاء يشعر بأن للأكل والشرب ولحم الطير والفاكهة والخمر واللبن والأكواب والحور والولدان والأساور والستور والوسائد، معاني أخر وراءها ما يستفاد منها لغة، وأن هذه المعاني هي المقصودة في الخطاب الإلهي.

والمغربي لا يرى رأي الفريقين وإنما يقول: إن ثمة فريقا ثالثا لا يقيم وزنا لما استند إليه الفريق الثاني من الكاشفات ومعرفة الأسرار، لا لأنهم ينكرون ذلك؛ بل لأنهم يقولون: إن الله أنزل علينا القرآن بلسان عربي مبين، وكلفنا أن نتدبر ونتفهم معانيه ونعمل بها، وبديهي أن الواسطة في فهم هذه المعاني واستخراجها من إطواء الخطاب الإلهي إنما هي اللغة العربية وطرق بلاغتها ومختلف أساليب التخاطب بها، وأن تفسير آيات القرآن بواسطة «الذوق والمكاشفة» يروي الدعاوي الفاسدة، والمزاحم الفاسدة وينقلنا إلى عالم من الوهم والخيال، لا منتهى لحدوده، فلم يبق لنا حبل نتمسك به في الوصول إلى فهم القرآن سوى اللغة ومذاهب العرب في ملاحن كلامهم.

11

هذا هو رأي المغربي في فهم نصوص القرآن وقد طبقه في تفسير كل ما ورد في القرآن من نعيم الجنة، فذكر في ذلك بحثا طويلا سماه «رسالة الحجج الظاهرة في ما هي ملذات الآخرة». أسهب فيها عن هذا الموضوع وأعاد وبدأ، وذهب إلى أن الوحي الإلهي أراد أن يصف للمخاطبين آيات الملذات في الجنة بما ألفوه وكلفوا به من ملذاتهم الدنيوية على نحو ما يشعرون به مفرغا، ذلك الوصف في التراكيب والأساليب التي اعتادوها في التخاطب بينهم ودرجوا عليها في ملاحن كلامهم؛ وذلك لعجز فطرهم وضعف استعدادهم عن فهم تلك الملذات الأخروية، وتعلقها بالكنه والحقيقة، فضرب لها مثلا ملذات الدنيا ووسائل اجتلابها وأسباب الشعور بها من مثل الحور، واللحم، والخمر، واللبن، والفاكهة، والأسرة، والحرير، والذهب، والفضة، واللؤلؤ، ولا يخفى أن تمتع النفس بهذه المذكورات وتقليب النظر فيها، وممارسة الحواس لها من أكبر ملذات الدنيا وأسباب الترف فيها عند البشر عامة، وعند العرب المخاطبين بالوحي لذلك العهد خاصة. فالمنعم في الجنة يشعر بلذة عجيبة، ثم يحس بمسرة غيرها شديدة التأثير في نفسه، ثم بلذة ثالثة وبأخرى غيرها رابعة وهكذا. فتتألف من مجموع هذه الملذات والمسرات وشعور النفس بها حالة صورها الوحي الإلهي للبشر بحالتهم التي يشعرونه بها، مذ يتناولون ملذوذاتهم الدنيوية المتعددة الأنواع والمختلفة الأشكال، ويمارسون أسبابها ووسائلها كل ذلك تشويقا لهم وحفزا لهممهم إلى الإيمان والعمل الصالح وطاعة الله. ولا يلزم من هذا أن تكون ملذات الجنة روحانية أو معنوية لا وجود لها في الخارج ولا يشعر بها الجسم؛ لأنك إذا ضربت جود حاتم المعهود لك مثلا لجود زيد لا يلزم منه أن يكون جود زيد أمرا معنويا لا وجود له في الخارج، وإذا ضرب الله لنا لحم الطير مثلا لملذة من ملذات الجنة، لا يلزم منه أن تكون ملذة الجنة روحانية لا يحس بها الجسد، ويوشك أن يكون الشرح قد نقل الكلمات الدالة على المسرات من معناها اللغوي الدنيوي إلى معنى اصطلاحي جديد أخروي، فنقل كلمات الخمر واللبن واللحم والطير والحور والولدان من معانيها المعهودة في الدنيا إلى معان أخرى؛ وهي وسائل اللذات والمسرات التي تكون في الجنة، فهذه الكلمات إذن لها معان لغوية أخرى، ومعان أخرى عرفية أو شرعية، وهذه الكلمات الصوم والصلاة والزكاة وغيرها مما له معان لغوية ومعان شرعية. ونحن نقول بأن لتلك الألفاظ «كالخمر والحور والولدان» مدلولات علوية تلائم الحياة الأخروية التي لا نستطيع اكتناهها في حياتنا الدنيا، وإنما فصل الشرع ذلك تفاديا من وضع كلمات جديدة لهذه المسرات الأخروية، ليست من لغة العرب المخاطبين ولا يفهمونها، والحكمة تقضي أن لا يخاطبهم إلا بما يفهمون لتنهض الحجة عليهم. ولما كانت اللذات المادية كما نفهمها في هذه الحياة الدنيا غير ممكنة في تلك الحياة الأخرى وجب أن نحمل آيات النعيم ووصف اللذائذ الأخرى على المعنى الكنائي والأسلوب التمثيلي - كما وقع في قول الخنساء وأقوال كثيرين غيرها من فحول فصحاء العرب وبلغائهم - ولا يضر تلك الآيات، ولا يحط ذلك من قدر بلاغتها وقيمة إعجازها، بل على العكس يزيدها رونقا وبلاغة وحسنا ويرفعها درجات في معارج الإبداع والإعجاز.

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربي · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربيص ٢٩