ثم يذكر المغربي اهتمام كتبة الفرنج بالتأليف في فن التمثيل؛ لأنهم وجدوا فيه ضالتهم من قيادة الشعب وسوقه من حيث يشعر أو لا يشعر إلى تربية ملكاته، ثم يلتفت المغربي بعدئذ إلى قومه فيرى حالتهم الاجتماعية المتقهقرة، ويتمنى أن يعظم شأن هذا الفن الاجتماعي الإصلاحي بين ظهرانيهم، ثم يثني ثناء طيبا على رائد هذا الفن في مصر الشيخ سلامة حجازي، ويصفه بأنه ممثل بارع ممتاز ببراعته، وبذلك وسعه في تحسين الفن والسعي لإتقان أساليبه حتى كاد يتجاوز به طور الطفولية، فيجب على أفاضل البلد وجمهور الكتاب أن يشجعوه ويشدوا أزره فيما يهدف إليه.
ولا ينسى المغربي أن يحرض من آنس من نفسه استعدادا وميلا فطريا إلى هذا الفن أن يعكف عليه، وأن يتأهب له أهبته بالإكثار من قراءة الروايات الإفرنجية واستظهار جيدها وترجمة المفيد منها، ثم يعرض بهذه المناسبة إلى موضوع ترجمة الروايات والتمثيليات التي هب الناس في ذلك الوقت إلى ترجمتها، فينقدها نقدا علميا صحيحا، ثم يعرض إلى الروايات المؤلفة ويقارن بينها وبين الروايات المترجمة ويقول: «ومن أوتي حظا من الفهم في هذا الفن أدرك لأول وهلة الفرق بين الروايات المترجمة والأخرى الموضوعة وضعا فإن حوادث الأولى تسرد على نسق غريب في أسلوب عجيب فهي كأنها متكافلة طورا، يفسر السابق اللاحق وآونة يوضح المتأخر المتقدم.» ولا يسمع السامع حادثة منها حتى تنشب أنفاسه في حلقه مبهوتا متشوقا إلى معرفة ما يليها فإذا سمعه وقع من نفسه موقع الدهشة والاستغراب، وليس كذلك الروايات الأخرى - أي الروايات المؤلفة - حتى ما ينسب إلى أشهر المشتغلين في الفن، ويطيل المغربي في نقد الروايات المؤلفة ثم يقول: إن كتابها يغفلون عن إيضاح مغزاها والغرض المفيد الذي وضعت من أجله من حث على فضيلة أو تغيير رذيلة بعبارات جلية وأساليب واضحة بحيث تسترعي أسماع النظارة، ولا ينسى أن يوجه ملاحظاته في آداب الاستماع والاعتبار، وبما يجب على النظارة أن يتحلوا به من الحشمة فيقول: «أما النظارة المتفرجون فإن أكثرهم لاه عن تعرف الأسرار بهتك الحجب والأستار، مشغول عن تفهم الحكم والفضائل بما فوقه مائل وليس تحته طائل، إنه يحسن بنا أن نتشبث بالحشمة والوقار وندع الطيش وخيانة الأبصار ونترك كثرة اللغط والضوضاء، سيما عندما يروقنا شيء من أقوال الممثلين وأفعالهم، فإن اللغط يحرمنا فهم تتمة السياق؛ بل ربما شوش على الممثلين أنفسهم، فلا يدرون أيمضون في حديثهم أم يسكتون، بينما يفرغ القوم من جلبتهم وضوضائهم.»
هذه هي ملاحظات المغربي وأقواله في وصف مسارح التمثيل المصري قبل نصف قرن، وهي لعمر الحق ملاحظات جد لطيفة، وأقوال تدل على عمق الملاحظة.
أما لغته في مقاله هذا فهي كما ترون لغة بسيطة قريبة المنال أفلت فيها من كثير من قيود الكتاب في عصره ومن صناعاتهم اللفظية، اللهم إلا بعض السجعات والجمل المترادفة، والمفردات المتكررة التي تدل على أن الرجل كان حتى ذلك الحين متأثرا بالأساليب القديمة على الرغم من محاولته التملص منها. وسنرى أنه في مقالاته التالية سينطلق شيئا فشيئا من قيود الكتابة القديمة ويسيل قلمه بقوة عجيبة.
ولما أطل عام 1906م انخرط المغربي في المحيط المصري، وانضم إلى أسرة جريدة الظاهر التي كان يصدرها الأستاذ محمد أبو شادي - كما قلنا - فأخذ يحبر المقالات الاجتماعية والإصلاحية، ومن يستعرض هذه المقالات يجدها تبحث في «سيء العادات ووجوب الانتباه إليها والذهول عنها، والخلاص منها»، وفي «استهتار العامة بمصر وما يجب على العلماء نحوهم» وفي «الفضائل فرائض»، وفي «حياة الأمة في ثروتها»، وفي «الأمة كالفرد في أطواره وبلوغ استقلاله»، وما إلى هذا من المباحث الاجتماعية. كما نجد له مقالات تربوية ولغوية رائعة كمقالته التي عنوانها «إحياء اللغة العربية الصحيحة في نفوس العامة» ومقالته، التي كتبها إثر تولي الزعيم سعد زغلول نظارة المعارف العمومية، وعنوانها «ناظر المعارف الجديد سعد باشا زغلول وما ينتظره من القطر»، وقد عرض في هذه المقالة النفيسة إلى كثير من القضايا التربوية الإصلاحية الهامة فناقشه خير مناقشة، ومما يلاحظه المرء في المقالات الكثيرة التي كتبها في «الظاهر» هي بحوثه في نقد الكتب وتقريظها كبحثه عن «ابن حزم وكتابه في الأخلاق»، وبحثه عن كتاب أستاذنا العلامة المصلح بدر الدين النعساني الحلبي المسمى «بالتعليم والإرشاد»، وبحثه عن كتاب «أساس الشرائع الإنكليزية »، الذي ترجمه الأديب السيد نقولا حداد، وغيرها من الكتب المفيدة التي ظهرت في تلك الحقبة، وكان لظهورها أثر في المجتمع العربي.