وكان للمغربي في محاضراته العامة ودروسه التي يلقيها على طلابه في الجامعة السورية أسلوب هو الغاية في الطلاوة، كما كان له صوت حسن الجرس جهوري المقاطع، ينحدر كأنه السيل بلا تلعثم ولا توقف، كل ذلك ببيان مشرق، وأسلوب أخاذ بحيث لا يمل سامعه مهما أطال. وكانت له قدرة بارعة على شرح عويصات المسائل العلمية، وأسرار العربية وتقريبها من الأفهام بالشواهد وضرب الأمثال.
هذه صفحة عن نشأة عبد القادر المغربي وسيرته، وهي - كما ترون - صفحة مشرقة تصور حياة شخصية عاملة عالمة قام صاحبها بقسط ليس باليسير في خدمة دينه ولغته وبلاده وقوميته العربية.
| هوامش
| المغربي الصحفي والمصلح
رأيتم أن المغربي كان مؤمنا بأن الصحافة هي الوسيلة الوحيدة للإصلاح وإنقاذ الأمة الإسلامية من ربقة الجهل والفوضى والتقهقر، وأن أشياخه في الشام ومصر كانوا يتخذونها أداة لإبلاغ آرائهم، ونشر أفكارهم ودعوة الناس إلى مذاهب الخير التي يرتئونها.
ولذلك عمد إلى السير في هذا الطريق، فانصرف إلى الصحافة يمارسها، وينشر بوساطتها آراءه منذ أن امتشق القلم في مصر سنة 1905 بعد وصوله إليها بسبعة أشهر إلى أن توفاه الله.
وقد أبقى لنا في خزانة كتبه أضابير جد قيمة أحصى فيها مقالاته الصحفية ورتبها ترتيبا دقيقا كاملا منذ سنة 1905 إلى سنة 1956، وكأنه كان يريد نشرها في مجلدات، فقد صنفها تصنيفا متقنا، وكان قد نشر قسما منها في مجلدين سماهما «البينات» ضمنهما بعض مقالاته التي كتبها ما بين سنتي 1906-1910م.
ونحن إذا رحنا نعرض مقالاته ورسائله الصحفية ونستقرئ بحوثها العلمية والأدبية والسياسية والاجتماعية نجد له في سنة 1905 مقالا واحدا نشره في المقطم، ولعله أول مقال كتبه، وكان عنوانه «التمثيل العربي»،
1
وقد كتب على هامش الجزازة التي تحوي المقالة «كتبتها بعد وصولي إلى القاهرة بسبعة أشهر في سنة 1905م/1323ه»، ولعلها أول مقالة كتبها في مصر.
ونحن إذا درسنا تلك المقالة دراسة دقيقة نجد أسلوبا مشرقا وأفكارا نيرة وملاحظات وتوجيهات تدل على سمو فكر الكاتب على الرغم من ثقافته البسيطة ومحيطه الأولي الذي تخرج فيه. فقد ابتدأ مقالته بتبيين فوائد التمثيل وقرنه إلى صنويه؛ الصحافة والخطابة، بل هو يذهب إلى تفضيله على الصحافة والخطابة؛ لأنه أقربها تأثيرا وأنجعها علاجا في تربية الأمم ووسائل تهذيبها.
ثم شرع في تصوير التمثيل، وكيف أن الممثل يعمد إلى حادثة مشهورة، أو رواية مأثورة فيعرضها على الأنظار، ويقلد رجالها وكل من له مشاركة في حوادثها متحريا محاكاتهم في أزيائهم وهيئاتهم وعادتهم وسائر ملابسهم.
والمغربي في وصفه عمل الممثلين واصف بارع دقيق الملاحظة مبسط للأمور المعقدة، شارح للقضايا الغامضة شرحا يدلنا على دقة تفكيره وسلامة بصيرته وبخاصة حين يقول إن «فن التمثيل إذن محاكاة وتقليد، والتقليد والمحاكاة غرائز من غرائز الإنسان نشأت معه مذ كان على بساط بساطته الأولى، انظر إلى الطفل فإنه لا تمسه نفحة من العقل، حتى يأخذ في تقليد من حوله ومحاكاتهم في أقوالهم وأعمالهم، فلا غرو إن كانت النفوس بالتمثيل أعلق، وإليه أحن وفيه أرغب»، ويبين المغربي بعدئذ أن الهدف من التمثيل هو إصلاح الشعوب وتقويم النفوس والاحتيال على سوق الناس إلى ما يريده بهم المصلحون، إما عن طريق الأساليب البلاغية، أو ضرب الأمثال، أو تصوير الوقائع التاريخية، أو نحت التماثيل أو الغناء، وأن التمثيل هو جماع تلك الفنون إذ يتناول الكاتب المؤلف الحادثة التاريخية فيضربها مثلا يتجلى فيه جمال الفضيلة بأبهى مظاهرها وقبح الرذيلة بأبشع صورها، ثم يكسو ذلك من جلابيب البلاغة والشعر والتلحين والتصوير ما شاء وشاء تمكنه من نواحي تلك الفنون.