تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن تغري بردي: «وكان ملكا شجاعا كريما عاقلا سيوسا كثير البذل للأموال، أطلق في مدة سلطنته من الأموال والخيول وغير ذلك ما لا يحصى كثرة حتى رضي الناس بسلطان مسه الرق. وأما أهل مصر فلم يرضوا به إلى أن مات وهم يسمعونه ما يكره حتى في وجهه.» ولما قتل وقعت الاضطرابات في البلاد الشامية والمصرية وخصوصا والشام لم يستقر بعد للمماليك، فإن بقايا الأيوبيين كانوا ما يزالون فيه، فشمال الشام إلى الفرات كان فيه الناصر صلاح الدين يوسف، وحماة كانت للملك المنصور محمد، والكرك والشوبك كانتا للمغيث، وبلاد صهيون كانت للمظفر عثمان منكورس، وتدمر والرحبة كانت تحت يد الأشرف موسى بن إبراهيم. وفي هذه الفترة المضطربة ظهر التتار سنة 656ه، فدمروا بغداد، واتجهوا نحو الديار الشامية سنة 657ه وفتكوا بأهالي حلب ثم بأهالي دمشق، وساروا جنوبا حتى غزة فهزمت الجيوش أمامهم ودخلت إلى مصر وتجمعت جموع قوية منهم قابلت التتار في عين جالوت، فهزموهم ومزقوهم وفاز الجيش المصري-الشامي فوزا مبينا، وكان ذلك النصر على يد الملك قطز، ولما ولي السلطنة بيبرس البندقداري بعد قطز كانت البلاد تواجه خطرين: أولهما التتار، فإن هولاكو غضب لهزيمة جيوشه في عين جالوت، وثانيهما الصليبيون، فاستطاع بيبرس القضاء على التتار وأحبط مساعي الصليبيين، وأخذ حصونهم وقلاعهم في الساحل الشامي مثل يافا وصور وعكا وطرابلس، ولم يمت الظاهر بيبرس سنة 676ه حتى قضى على الصليبيين قضاء مبرما وأنقذ دمشق من أيديهم، وكان ملكا عادلا شهما سيوسا سيطر على البلاد الشامية والمصرية خير سيطرة وساسها أفضل سياسة. قال شمس الدين سامي: «عاد للبلاد بهاؤها بسلطنة بيبرس، وصارت السلطنة الإسلامية ذات بهاء وفخامة في عهده.» وفي سنة 683ه عاد المغول والصليبيون يريدون الشام من جديد، فدخلوها وأفسدوها ، فسارت إليهم جيوش مصر وهزمتهم جميعا ولحقتهم إلى طرابلس فدمرتها على رءوسهم.

ولما مات قلاوون سنة 689ه وتولى ابنه الأشرف خليل رأى الصليبيين قد استفحل أمرهم في الديار الشامية، فنهض من مصر وفتح عكا وكانت حصن الصليبيين المنيع منذ القديم ودكها دكا. ولما رأى الصليبيون ذلك رعبوا فأخلوا صيدا، فدخلها الملك الأشرف وهدمها، ثم استولى على بيروت وصور وعتليت وطرطوس وجبيل والبتروت والأسكندرونة، وطرد بقايا الصليبيين من الساحل الشامي، وكانت هذه الحملة هي الحملة الأخيرة التي طهرت البلاد من الصليبيين. وقد رأيت أن الحملة السابقة كانت طهرت الداخل وهذه طهرت الساحل، فاستراحت البلاد الشامية جميعا منهم، واستطاع الملك لاجين ملك مصر والشام أن يتخذ من الجيوش الشامية والمصرية أداة لفتوحات جديدة بعد أن كانت قبلئذ معدة للدفاع فقط.

ففي سنة 697ه جرد السلطان جيوشه لفتح بلاد الأرمن في سيس لأنهم كانوا لا يتركون البلاد تستريح، فأخضع ملكهم ثم رجعت الجيوش الظافرة والبلاد في أمن واطمئنان، ولكنها لم تلبث طويلا حتى فوجئت بزحف جديد للتتار سنة 699ه وعلى رأسهم غازان بن أرغون خان بن هولاكو، فدخل حلب وحماة وفتك بأهليهما، ولما بلغت هذه الأخبار مسامع السلطان الناصر بن قلاوون زحف من مصر فالتقى الجيشان قرب حمص وكسر الجيش المصري وانهزم السلطان، ولقيت دمشق وسائر البلاد الشامية أهوالا جساما، ولكن ما لبث السلاطين من أولاد قلاوون أن أعادوا إلى البلاد الهدوء والهناء، وما إن هلك آخر سلطان من البيت القلاووني وهو الأشرف شعبان سنة 778ه حتى اضطربت البلاد وأخذ نواب الشام يستقلون عن مصر، فأشرفت البلاد على عهد جديد هو عهد المماليك الأتراك، وقد رأى الأتابك برقوق ضعف حال السلطان وفساد البلاد ومخامرة النواب وفساد العدو والأعراب، وأحس بلزوم تجديد شباب الملك بإسناده إلى سيد كبير، فجمع القضاة والخليفة وطلب إليهم أن يسلطنوه ويخلعوا الملك الصالح، فوافقوا على ذلك وكان هذا في سنة 784ه، فهدأت البلاد أول الأمر ثم عادت إليها الاضطرابات كما كانت أيام المماليك البحريين. قال الأستاذ كرد علي: وكانت هذه الدولة عجبا في ضعف الإدارة وقيام الخوارج لأن الملك على الأكثر كان ضعيفا ينزله من عرشه كل من عصا عليه واستكثر من المماليك وقدر أن يتسلط على عقول السذج من العربان وأرباب الدعارة والطمع من الناس ... والقاهرة لا شأن لها بعد أن يتقاتل المتقاتلون على الملك، أو يقاتل القواد أرباب العصيان والتمرد ويظفر أحد المتنازعين على السلطنة أو الأمير الذي وسد إليه اجتثاث دابر العاصي إلا أن تزين أسواقها سبعة أيام أو ثلاثة أيام على الأقل، تفعل ذلك لأقل حادث يحدث ... وكانت دمشق في أيام الشراكسة ثم في أيام الأتراك أخلافهم تزين سبعة أيام لأقل ظفر يقع، فيفرح السلطان وتدق البشائر. وقد عمت الفوضى في عهد المماليك الأتراك وساد الاضطراب وانتشر الخوف في البلاد وخصوصا حين هاجمها تيمورلنك سنة 802ه، فهدم دمشق وحلب وفعل في أهليهما الأعاجيب حتى قال بهاء الدين البهائي يرثي البلاد الشامية، ويصف ما حل بها من جراء أفعالهم:

مصر والشام في الغابر والحاضر · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصر والشام في الغابر والحاضرص ٩