تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لهفي على تلك البروج وحسنها

حفت بهن طوارق الحدثان

لهفي على وادي دمشق ولطفه

وتبدل الغزلان بالثيران

وشكا الحريق فؤادها لما رأت

نور المنازل أبدلت بدخان •••

جناتها في الماء منها أضرمت

فعجبت للجنات في النيران

كانت معاصم نهرها فضية

والآن صرن كذائب العقيان

ما ذاك إلا تركهم ولجت بها

فتخضبت منها بأحمر قاني •••

لو عاينت عيناك جامع «تنكز»

والبركتين بحسنها الفتان

وتعطش «المرجين» من ورادها

وتهدم المحراب والإيوان

لأتت جفونك بالدموع ملونا

دمعا حكى اللولو على المرجان •••

أبني أمية أين يمن وليدكم

والمغل تفتل في ذرى الأركان؟

2

شربوا الخمور بصحنه

3

حتى انتشوا

ألقوا عرابدهم على النسوان

لم يرحموا طفلا بكى فقلوبهم

في الفتك صخر لا أبو سفيان •••

لهفي على تلك العلوم ودرسها

صارت مغانيها بغير بيان

أعروسنا لك أسوة «بحماتنا»

في ذا المصاب فأنتما أختان

غابت بدور الحسن عن هالاتها

فاستبدلت من عزها بهوان

ناحت «نواعير» الرياض لفقدها

فكأنها الأفلاك في الدوران

وقال بعض أدباء حلب الشهباء يرثيها ويصف ما حل بها:

يا عين جودي بدمع منك منسكب

طول الزمان على ما حل في حلب

من العدو الذي قد أم ساحتها

ناح الغراب على ذاك الحمى الحرب

ويلاه ويلاه يا شهبا عليك وقد

كسوتني ثوب عز غير منسلب!

من بعد ذاك العلا والعز قد حكمت

بالذل فيك يد الأغيار والنوب

وأصبح المغل حكاما عليك ولم

يرعوا لجارك ذي القربى ولا الجنب

وفرقوا أهلك السادات وانتشروا

في كل قطر من الأقطار بالحوب

وخربوا ربعك المعمور حين غدوا

يسعون في كل نحو منك بالنكب

وخربوا من بيوت الله معظمها

وحرقوا ما بها من أشرف الكتب

لكن مصيبتك الكبرى التي عظمت

سبي الحريم ذوات الستر والحجب

يأتي إليها عدو الدين يفضحها

ويجتليها على لاه ومرتقب

ولما رحل تيمور بعد أن خرب البلاد، عاد إليها نفوذ المماليك وسلطانهم الأخرق ووقعت فتن كثيرة في البلاد، فإن السلطان الملك الناصر كان سخيفا أخرق سكيرا سفاكا، ففعل الأفاعيل حتى قتله أصحابه ثم جعلوا الخليفة سلطانا، فهدأت البلاد قليلا ثم عادت إلى الفوضى، واستمرت على ذلك حتى داهمتها طلائع الجيش العثماني.

في أوائل القرن العاشر كان على التخت العثماني سلطان قوي هو السلطان سليم، وقد استطاع بقوته ودهائه القضاء على نفوذ الدولة الصفوية العجمية، وكانت نفسه تطمح إلى السيطرة على الدولة المصرية-الشامية، وكان أبوه وجده من قبله يرجوان ذلك، ولهما حروب ومناوشات كثيرة مع بعض رجال دولة المماليك في بلاد الشام. وفي سنة 922ه أرسل السلطان العثماني جيشا كبيرا يريد به السيطرة على البلاد الشامية، فبلغ الخبر السلطان قانصوه الغوري ملك مصر والشام، فأرسل إلى السلطان العثماني يعرض عليه الصلح؛ فلم يقبل، واشتبك الجيشان وقتل قانصوه الغوري، ودخل السلطان العثماني حلب ثم دمشق، وقد تألم الناس لانقضاء عهد المماليك على ما كان فيه من اضطراب حتى قال بعض شعراء الشام:

ليت شعري من على الشام دعا

بدعاء خالص قد سمعا

فكساه ظلمة مع وحشة

فهي تبكينا ونبكيها معا

قد دعا من مسه الضر من ال

ظلم والجور اللذين اجتمعا

فأصاب الشام ما حل بها

سنة الله التي قد أبدعا

ثم سار السلطان العثماني بعد فتح الشام إلى مصر، وقتل الملك طومانباي الذي ولاه المصريون بعد قانصوه الغوري، وبسط نفوذه على مصر، ثم رحل إلى عاصمة ملكه وأخذت البلاد تقاسي الويلات من الجند العثماني الذي كان ينهب البيوت ويقطع الأشجار. وما كانت الحال في الشام بأحسن منها في مصر، فقد أصبح البلدان تحت رحمة باشوات الترك وجندهم، وكيف يكون الجند والباشوات صالحين وسلطانهم كما يصفه المؤرخ المصري ابن إياس: «لا أنصف مظلوما من ظالم، بل كان مشغوفا بلذته وسكره، وإقامته في المقياس بين الصبيان المرد ويجعل الحكم لوزرائه بما يختارونه، وكان ابن عثمان لا يظهر إلا عند سفك دماء الشراكسة، وما كان له أمان إذا أعطاه لأحد من الناس، وليس له قول ولا فعل، وكلامه ناقض ومنقوض، لا يثبت على قول واحد كقول الملوك وعادتهم في أفعالهم.» هذا وقد ساق السلطان ابن عثمان من مصر والشام أحمالا وأحمالا من الذهب والمتاع والكتب والتحف والرياش والأثاث، ووضع الضرائب والمكوس، وأهلك الناس بما فرضه عليهم من الضرائب. ولما هلك سليم وجاء ابنه سليمان هان أمر مصر والشام؛ فإنه كان مشغولا عن تنظيم البلاد المفتوحة الخاضعة له بالفتوحات الجديدة التي كان يطمع فيها، وقد خرج هو بنفسه إلى الغزو والفتح أكثر من اثنتي عشرة مرة، وكان يظفر في كل موقعة؛ فوسع رقعة المملكة العثمانية، ولم يكن للبلاد المصرية والشامية في عهد سليمان إلا أن تظهر أفراحها بالفتوحات وتعاني الأمرين من الجند الانكشارية والسباهية والدالاتية. ثم خلفه ابنه سليم السكير وكان شر الناس أخلاقا وسيرة، ثم جاء بعده مراد الثالث وقد لقيت البلاد المصرية والشامية في عهده كل عنت وإرهاق، ولما انتهى القرن العاشر ودخل القرن الحادي عشر، أمل الناس تغير النظام القديم المضطرب الذي كان أقل شيء فيه عدم استقرار الولاة واضطراب إدارتهم، فإن الوالي كان لا يقيم في البلدة إلا ريثما يخرب وينهب ويضرب الضرائب، وقد بلغ عدد ولاة دمشق في ذلك القرن واحدا وثمانين واليا، وعدد ولاة حلب أكثر من 50 واليا، والذين تولوا مصر أكثر من ثلاثين، وقد كانت البلاد تقاسي الويلات والشدائد منهم. وكان الوالي الصالح منهم لا يستقر ليتوفر على الإصلاح، وفظائع الولاة العثمانيين في مصر والشام أكثر من أن تحصى، ومن شر الولاة العثمانيين في مصر محمود باشا المقتول وكان فيها سنة 973ه، وقد نظم بعض أدباء مصر تاريخ وفاته فقال:

مصر والشام في الغابر والحاضر · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصر والشام في الغابر والحاضرص ١٠