تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد خرج كثير من الشاميين إلى بلاد الروم، ثم عاد الحاكم فبنى كنائس النصارى. وفي عهد الحاكم هذا انتشر المذهب الدرزي في البلاد الشامية، وكان دعاة الباطنيين قد ملئوا البلاد وسيطروا على الشام. وفي عهد الظاهر بن الحاكم ثار المرداسيون وحسان بن الجراح واستولوا على أكثر بلاد الشام، فأرسل إليهم الخليفة جيشا مصريا على رأسه القائد أنوشتكين الدزبري، فأعاد إلى البلاد هدوءها وأدخلها في الحظيرة المصرية من جديد. وقد ظل أنوشتكين إلى عهد المستنصر بن الظاهر أميرا على الشام إلى أن مات سنة 433ه، فعادت البدو إلى الثورات وقضت البلاد عهدا مشئوما تملكها فيه البدو والأعراب والروم، ولم تسكن حتى عاد إليها المصريون بقيادة مكين الدولة الحسين بن علي، فهدأ الأمور وعقد الاتفاقات مع الروم. وفي سنة 446ه نقض الروم عهدهم مع صاحب مصر المستنصر، وكانوا تعهدوا بأن يبعثوا إليه أربعمائة ألف أردب من الغلال بسبب القحط في مصر، فجهز المستنصر جيشا عظيما على رأسه مكين الدولة الحسين بن علي ونودي في مصر وسائر البلاد بالغزو والجهاد إلى بلاد الروم، وكانت وقائع كثيرة كانت الغلبة فيها للمصريين والشاميين. ولما عظم نفوذ مصر في الشام طمعت في السيطرة على بغداد والعراق، فتم لها ذلك وخطب للمستنصر الفاطمي على منابر بغداد بمعاونة أبي الحارث أرسلان التركي البساسيري (سنة 451ه)، ثم كان أن قتل البساسيري وقطعت الخطبة من بغداد وبقي سلطان مصر محصورا في الشام وما إليه، ولكن ما لبث نفوذ مصر أن أخذ يضعف في الديار الشامية أيضا لضعف الدولة في مصر نفسها، ووقعت فتن كثيرة بين الجند المصري والشاميين. والحق أن الخلفاء المصريين قد ضعف أمرهم بعد موت الحاكم، ولولا ظهور سيدة القصور - ست الملك - وقيامها بالأمر خير قيام، لدالت الدولة منذ عهد بعيد، ولكنها بحكمتها وسياستها أعادت للملك غضارته بعد أن أصيب في أواخر عهد الحاكم بما هو معروف مشهور. ولما جاء ابنه الظاهر حسنت الأحوال قليلا لأنه كان مستقيما حسن الإدارة، ثم لما جاء ابنه المستنصر عاد الاضطراب من جديد وأخذت البلاد تئن من سوء الإدارة وكثرة تغير العمال وتسلط الروم والمتغلبة بين حين وآخر. والحق أن الملك الفاطمي أخذ ينحسر ظله عن الديار الشامية بعد عهد المستنصر، والسبب في ذلك ضعف الفاطميين عسكريا وإداريا؛ فإن جيشهم بعد أن كان في عصر المعز والعزيز يزيد على المائة ألف مقاتل، قوي حتى قيل إن أرض مصر لم يطأها جيش بعد جيوش الإسكندر أكثر من جيوش المعز الفاطمي.

أقول إن هذا الجيش القوي أصبح هزيلا في عهد المستنصر، فتمزق شمل الملك العظيم الذي سيطر على المغرب ومصر والشام والحجاز في عهد، واكتفى المستعلي بأن يسيطر على مصر وبعض نواحي الشام. قال الذهبي: وفي أيامه وهنت دولتهم وانقضت دعوتهم من أكثر بلاد الشام، واستولى عليها الأتراك والفرنج، ونزل الفرنج على أنطاكية وحصروها ثمانية أشهر سنة 491ه، وأخذوا المعرة والقدس سنة 492ه، ومنذ هذا الحين سيطرت الفرنج على البلاد الشامية وبسطوا نفوذهم عليها، وأخذوا يعملون على السيطرة على مصر نفسها، ولولا ظهور البطل نور الدين محمود بن زنكي وصلاح الدين يوسف بن أيوب لقضى الفرنجة على مصر والشام قضاء مبرما. ولما سيطر الفرنجة على كثير من مدن الشام ضاق أهله ذرعا بهم واستغاثوا بمصر أن تنجدهم، وأنى لها بذلك وبلادها هي في الفوضى غارقة. قال القاضي الهروي من قصيدة يستغيث بالمصريين مما حل بالشام:

مزجنا دماء بالدموع السواجم

فلم يبق منه عرصة للمراحم

وكيف تنام العين ملء جفونها

على هفوات أيقظت كل نائم

وإخوانكم بالشام يضحى مقيلهم

ظهور المذاكي أو بطون القشاعم

أرى أمتي لا يشرعون إلى العدا

رماحهم والدين واهي الدعائم

مصر والشام في الغابر والحاضر · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصر والشام في الغابر والحاضرص ٧