وقد قضى الشام فترة في القرن الرابع هي من شر فترات حياته، فقد كان يتنازعه كل من الفاطميين والعباسيين أو ولاتهم كالحمدانيين والعقيليين، وقد كان الفاطميون شديدي الحرص على استبقاء الشام تابعا لمصر لما بين البلدين من العلاقات، وقد بذلوا في ذلك شيئا عظيما وجيشوا جيوشا كثيرة، حتى إن الخليفة العزيز الفاطمي سار مرة بنفسه على رأس سبعين ألفا لاستخلاص الشام من القرامطة وولاة العباسيين، ولما وصل الرملة من أرض فلسطين قاتله القرامطة وأفتكين غلام عضد الدولة البويهي وكان يومئذ متغلبا على الشام، فخذلهم العزيز وهرب أفتكين فجعل العزيز لمن أحضره إليه ألف دينار، فأحضره مفرج بن دغفل العقيلي إلى العزيز، فكرمه وأنعم عليه وأخذه معه إلى مصر واستبقاه فيها إلى أن مات معززا. وأما صاحب القرامطة فلاطفه العزيز أيضا وأعطاه الأموال والرياش وطلب إليه أن ينصرف من الديار الشامية إلى الأحساء، وهكذا كان. ولم يبق أمام الفاطميين خصوم أقوياء يدفعونهم عن الشام إلا الحمدانيين.
ولما مات أبو المعالي بن سيف الدولة وخلفه ابنه أبو الفضائل، رأى العزيز أن الوقت قد حان لاستصفاء الشام وإنقاذه من الاضطراب الذي كان فيه والتذبذب بين الدولتين، فسير جيشا قويا إلى حلب وعليه منجوتكين، ووقع القتال بينه وبين الحمدانيين في أفامية - قلعة المضيق - سنة 382ه، فانهزم الحمدانيون، ثم دخل منجوتكين حلب فاستعان أبو الفضائل بباسيل ملك الروم على المصريين ، فكتب باسيل إلى نائبه في أنطاكية أن ينصر أبا الفضائل بجيش لجب، فلما علم المصريون بذلك عبروا العاصي وفاجئوا الروم قبل أن يفاجئوهم، وقهر المصريون الروم وهزموهم وأرجعوهم إلى أنطاكية وأكثروا فيهم القتل.
قال الأنطاكي: «قتل من الروم في هذه الوقعة التي دعيت «وقعة المخاضة» سنة 384ه زهاء خمسة آلاف، وسار المصريون إلى أنطاكية ففتحوها ثم رجعوا إلى حلب.» وكادت الجيوش المصرية أن تسيطر على الشام جميعه لولا أنها أصيبت بمصيبة أزعجتها، ألا وهي طمع منجوتكين وخروجه على الخليفة الفاطمي وإعلانه الاستقلال بالشام لما رأى من فوزه العظيم، فأرسل الخليفة إليه جندا هزموه وأعادوا الشام إلى الحظيرة الفاطمية كما فصل ذلك ابن مسكويه في تاريخه.
ومن الحوادث المزعجة التي جرت في الشام في تلك الفترة ثورة أهل صور سنة 387ه بقيادة ملاح اسمه علاقة، فقد ثار هذا على الفاطميين وضرب السكة باسمه وكتب عليها «عز بعد فاقة للأمير علاقة»، وقد أرسل إليه الخليفة المصري أسطوله لتأديبه، فاستجار علاقة بملك الروم وقد أنفذ إليه هذا عدة مراكب فالتقى الأسطولان المصري والرومي، فهزم الروم وكتب النصر للأسطول المصري. فأنت ترى في هذه الحقبة القصيرة من الزمن استنجاد رجلين اثنين بالروم على بني جنسهما ليستمتعا بالملك ونشوته. وفي عهد الحاكم بأمر الله ثار الأعراب سنة 404ه بقيادة المفرج بن دغفل بن الجراح على الشام، وفتكوا بأهله وبأميره المصري علم الدولة، وأقاموا متغلبين عليه فأفسدوا البلاد وهرب كثير من أهلها النصارى إلى بلاد الروم واللاذقية وأنطاكية، ولم تسكن البلاد إلا بعد أن عاد إليها المصريون وأعادوا إليها السكينة والطمأنينة.
وفي عهد الحاكم بأمر الله أيضا سنة 421ه سار أرمانوس ملك الروم إلى الشام كما يقول ابن المهذب المعري، وقد جاء معه لغزو الشام ملوك الفرنجة جميعا مثل ملك البلغار وملك الروس والألمان والخزر والأرمن والبلجيك والفرنج في جمع عظيم يزيد على ستمائة ألف مقاتل، فقاتلهم المصريون والشاميون جميعا وهزموهم وغنموا منهم ما لا يحصى، وأسروا جماعة من أولاد الملوك، ويظهر أن هذه الغزوة هي غزوة صليبية أرادت أوروبا توجيهها على البلاد الشامية. وقد أصاب الشام في عهد الحاكم ما أصاب مصر من العنت والاضطراب، فكما أنه خرب كنائس مصر كذلك خرب كنائس دمشق والقدس، ونقض بعض الكنائس بيده وأمر بأن تعمر مساجد للمسلمين وأمر بالنداء؛ من أراد الإسلام فليسلم ومن أراد الانتقال إلى بلاد الروم كان آمنا إلى أن يخرج.