أما الكنائس المسيحية الموجودة الآن في حلب فأقدمها لا يعدو العصر المملوكي، وليست عندنا معلومات كافية صحيحة عن النصارى وأحوالهم ومعابدهم خلال العصور الإسلامية منذ الفتح الإسلامي حتى العصر المملوكي.
يذكر شيخنا الغزي في تاريخه نهر الذهب ما يلي: «نقل صاحب كتاب عناية الرحمن حاشية من كتاب ديني محفوظ في مكتبة الموارنة تدل صراحة على أن كنيسة الموارنة كانت موجودة في هذه المحلة (أي محلة الصليبة) سنة 1489م / 895ه، وحاشية أخرى محررة على كتاب عربي محفوظ في خزانة الواتيكان في رومية العظمى تحت عدد 141 يفهم منه صراحة أن هذه المحلة كانت موجودة في سنة 1505م / 911ه.»
176
ثم ينقل الغزي أيضا ما حكاه صاحب كتاب عناية الرحمن عن السائح الروماني بطرس دي لافالي الذي دخل حلب سنة 1652م / 1035ه، حيث قال: «زرت محلة المسيحيين بحلب فإذا هي في بقعة خارج سور المدينة قيل لها الجديدة لاستحداثها، وكنائسها قريبة وهي أربع كنائس متجاورة في بقعة واحدة، ولجميعها فناء واحد ومدخل واحد عام، فاللأرمن كنيستان إحداهما على اسم الأربعين شهيدا، والأخرى على اسم العذراء، وللروم كنيسة على اسم نقولا، وللموارنة كنيسة واحدة على اسم مار إلياس النبي. أما كنيسة السريان - ويسميها العامة كنيسة ستنا مريم - فمنفردة، وقد ألفيتها أجمل وأوسع من سواها، وفيها يقيم بطريركهم بطرس هدايا.»
177
وينقل شيخنا الطباخ عن مذكرات الشيفاليه المسيو دارفيو
D’arvieux
القنصل الفرنسي بحلب في سنة 1683م / 1094ه في الجزء السادس منها: «... والأرمن لهم في حلب كنيستان، السريانيون منهم والمارونيون، لكل طائفة كنيسة، والنسطوريون لا كنيسة لهم لقلة عددهم، وهم لذلك يختلطون بغيرهم.»
178
ويذكر في فصل عنوانه «الكنائس في حلب وموقعها وتاريخ بنائها»: إن في حلب إلى 1925م سبع عشرة كنيسة، أقدمها كنيسة مارانطانيوس للآباء الفرنسيين في محلة الكتاب، وأن آخر تجديد لها كان في سنة 1665م، وكنيسة أم المعونات للأرمن الكاثوليك في الصليبة، وأن آخر تجديد لها في سنة 1840م، وكنيسة السيدة للأرمن الغريغوريين في الصليبة، وأن آخر تجديد لها كان في سنة 1850م، وكنيسة مار جرجس للروم الكاثوليك في الشرعسوس وأن آخر تجديد لها في سنة 1850م، وكنيسة السيدة للروم الكاثوليك في الصليبة وأن آخر تجديد لها كان في سنة 1850م.
179
وإليك وصفا موجزا للكنائس الكبيرة الموجود اليوم:
كنيسة الأربعين شهيدا للأرمن الغريغوريين (محلة: الصليبة)
هي كنيسة قديمة جدا بنيت على اسم الأربعين شهيدا. وهي بناء تظهر عليه آثار القدم، طوله عشر أذرع في سبع، وفي صدره شبه هيكل يصعد إليه بدرج، وفي طرفه عدة قبور مكتوب عليها بالأرمنية، وأقدمها تاريخا يرجع إلى سنة 1608م / 1017ه.
ويقول كهنة هذه الكنيسة إن بناءها يرجع إلى القرن الحادي عشر للميلاد، وقد كتب على حجر بين بابي الكنيسة أنها جددت للمرة الثانية في سنة 1452م / 856ه، ثم وسعت في سنة 1639م / 1049ه، ثم جددت في سنة 1869م / 1268ه.
وفي هذه الكنيسة لوحات دينية فنية قديمة جميلة وخزانة كتب جد قيمة، فيها مخطوطات نادرة.
180
وقد بنيت هذه الكنيسة على أنقاض كنيسة يظن أنها من العهد البيزنطي ولا زالت بقايا تلك الكنيسة تحت الكنيسة الحالية. وينزل إليها بفتحة صغيرة من أرض الكنيسة.
كنيسة الروم الأرثوذكس (محلة: الصليبة)
هي كنيسة كبيرة تسمى بالسيدة العذراء، تقع في الساحة الكبرى بمحلة الصليبة، وقد أقيمت على أطلال كنيسة قديمة شادها النصارى الملكيون في أواخر القرن الخامس عشر، وقد كان الساعي لتجديد هذه الكنيسة وتوسيعها سنة 1851م هو المطران كيرللس القبرصي (+1861م).
وطول هذه الكنيسة 35 مترا في 22 مترا، وارتفاعها 5 أمتار ولها هيكل مرفوع على أربعة أعمدة من الحجر الأصفر البعاديني الحلبي، ولهذه الأعمدة تيجان من النحاس الجميل الصنعة.