والزوايا والمدارس والخزائن عامرة القرى والمداشر بالأئمة والمعلمين ينصبوا أهل كل قرية قارئا فقيها يرتبون له ما يكفيه من المئونة اليومية ويشترطون له عليهم غيرها من العطاء والحراثة والحصاد كل سنة فيعتكف في مسجدهم على إقامة الصلوات والإمامة بهم وتسجيل عقودهم وتعليم أولادهم الكتابة وتحفيظ القرآن فمن الذي كانت تقل فيهم الأمية ويكثر الحفظة بنحو ربع غالب القرى وإذا ظهرت نجابة الأبناء انتقلوا إلى المدارس لحفظ متون العلم ودراستها والتمكن من العربية والفقه وكان لكل قبيلة مدرسة أو مدرس للعلوم أو للقراءات حتى زاد عددها على المائتين ويقارب طلبة المدارس الزاخرة منها مائتين (1) أو يبلغ ثلاثة أربعاها وكانت كل قبيلة تقوم بمدرستها فيأتون إلى خزينتها بثلث أعشارهم ويدفعون لها كل سنة غير ذلك مما تتوقف عليه لتموين طلبتها ومدرسها الذي تكون له شروط على القبيلة ويكون فقيهها يفصل نوازلها، والقيم على المدرسة وهريها وطلبتها الذين يجدون فيها ما يحتاجون إليه من المأوى والمأكل والدراسة مجانا، فإذا حصلوا من العلم كفايتهم قاموا بمثل عمل شيوخهم فانتصبوا للإمامة والتعليم والتدريس والفتوى والشهادة والقسم للتركات والقضاء والإرشاد والإصلاح، وكان يغلب عليهم التمكن مما تعلموه فيكون علمهم معهم لا يغرب عنهم ولا يحتاجون عند التدريس إلى مراجعة أو مطالعة، لأنهم يمتثلون ما يقولونه: العلم ذهب به الحفاظ ومنهم من كان يلازم كتب الأدب والتاريخ حتى يصير مستحضرا لها ولما فيها من المفردات اللغوية والأمثال والحكم ويستعمل ذلك في حديثه وكتابته ناسجا على التراكيب البليغة حافظا لشوارد الأسماء وغريب الألفاظ التي قد تخفى على غيرهم ممن أصله عربي ولا يكاد يرددها في استعماله وقد يمهر بعضهم في سائر العلوم الإسلامية، ويتفوق في علمه أو أدبه أو صلاحه فتطير شهرته وينفذ به خارج إقليمه.
(1) كما كانت عليه مدرسة ادوز وتيمكيد شت وبو نعما حينا.