تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صاحبت المترجم وأنا في إلغ منفردا فقيرا وقيرا، فكان لي خير مؤنس ومعين، وما أكثر من لا يشيدون بشكر من يحسنون إليهم مثل هذا الإحسان الذي أسداه إلى المترجم، فها أنذا أراجع هذه الترجمة بعد نحو عشرين سنة، وأنا الآن من ( وزراء التاج ) ومن خلصاء ملك القلوب، قبل أن يكون ملك البلاد محمد الخامس أمده الله بالعون والتوفيق، وقد من الله وأضفى، بعدما كتبت كل ما تقدم، بالفرج الذي جر وراءه ما جر من شهرة طنانة، ومن سمعة يراها النافسون كالثوب الفضفاض على تنبال ( (1) ) - وأنا معهم في هذا الرأي – ومن مكانة لم تزل تتزايد حتى وصلت بالعبد الضعيف ما وصلت بفضل الله لا غير، ذلك كله قد كان كما كان ما قبله، وسيزول أيضا يوما ما كما زال ما قبله ولا يدوم إلا الله وحده، نطلب الله أن يختار لنا دائما ما فيه كل خير، هذا وقد مر ما مر ولكن ما أسداه إلي المترجم لا تزال انطباعاته في القلب الواعي واضحة نيرة، فقد كان كالطود الشامخ أمام كل ما أراه يحوم حوله في كل هذه السنين، فإن يعجب القارئ، فليعجب من أكذوبة صريحة لا أساس لها، كانت تروج إثر ما نفيت إلى إلغ، فيقال إن فلانا ما نفي إلا بطلب من أخيه الذي ينفس عليه مكانته بين الناس، فيا للناس لأكذوبة لا تجد إزاءها ما يدعمها، فأولا، أية مكانة كنت فيها قبل النفي حتى ينفسها على أمثاله إذ ذاك، وهو من هو رئاسة ونفوذ كلمة، وسعة ذات يد، وإنا إنما كنت أستاذ الأجرومية لا غير، فقيرا وقيرا، لا أرجع إلى مدخر، ولا أتوسع في عيش، ثانيا، ما كان منه نحوي إثر النفي وهو يملك مني ما يملك رسميا، والحكومة دفعتني إليه يدا بيد، فهل فرط منه نحوي أدنى شيء يدل على تصديق هذه الأكذوبة؟ لا والله، بل ما رأيته منه إلا كل 260/2

(1) التنبال بكسر التاء: قصير القامة.

المعسول · الصفحة ٨٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٨٩٢