افتتح المبادئ في مدرستهم عند صنوه سيدي محمد، وأخذ عنه أولاً الفنون، ومر بالمتون، وكانت دروس أخيه غير متسعة المباحث، إذ لا يتجاوز حل المتن، وتفهيم معناه، وحين مرّ على المتون الكبرى والصغرى في نحو عشر سنين، وكان الوقت إذ ذاك عام 1395هـ اشرأبت همته إلى التوسع في البحوث، فكان دائماً يطالب أخاه أن يسمح له بالذهاب للاستتمام في مدارس أخرى، فيأبى عليه ذلك كل الإباء، إلى أن أعيته فيه الحيلة فتسلل من غير إذن منه إلى مدرسة الأستاذ سيدي الحاج علي التوفلعزتي، فقال له: إنني جئتك مستعيذاً بك من أخي، فإن دراسته 296/17
297/17لا تفيدني بعد، ويأبى عليّ أن أنتقل من عنده، فأجابه بالمكث عنده والانقطاع إليه، وبعد لأي صاحبه إلى صنوه يستطيب خاطره عليه، ولكن لم يكد يطيب عليه، وإنما وجد الأمر قد خرج من يده فأسلس مرغماً، قال سيدي الحاج عابد: فصرت بعد ذلك كلما وصلنا في الدرس عويصاً وبينه لنا سيدي الحاج علي أكاد أطير فرحاً، وأتذكر ما كان يقع لي مع أخي حينما أسأله عن عويص، فيقول لي: دع هذا حتى يقوم المبتدئون، وإذا راجعته بعدهم يقول لي: انظر الشراح، وهكذا أظل محروماً، حتى فتح الله الآن الباب، فأكب علي كل العلوم يكرع من حياضها حوضاً حوضاً، حتى صدر وهو يضرب بعطن، مستحضراً حافظاً في الفقه والنحو واللغة والبيان، ويستحضر التسهيل الذي أخذه هناك أخذا جيداً، وكذلك التفسير والبخاري، ولم يفارق ذلك المكان إلا عام 1300هـ.
في مدينة رودانة:
ورد إلى (وردانة) أثناء أخذه عن شيخه هذا وبإذن منه، فأخذ الأصول عن عالم من أهلها يسمى محمداً (1) الخياطي كما يظن من يحكي لنا، أخذ عنه جمع الجوامع، ولم يبطئ هناك، فأخصب بذلك حقله، وأزبد بحره.
(1) المشهور في (رودانة) إذ ذاك بالأصول والبيان أحمد أمز ركو السندالي، نعم هناك محمود الخياطي لا محمد، لكننا لا نعرفه أصولياً.