استدعته عجوز ليقرأ لَها رسمًا خطه بعض العلماء الماهرين، فلم يعرف ما يقول فيه، فقال لَها: إنني أجهل قراءة مثل هذا الرسم، فقالت له عجبًا لك يا سيدي مَحمد، بالله عليك أمثلك مع ما يذكره الناس كلهم عنك من الشفوف يَجهل مثل هذا، وماذا قرأت إذن في حياتك؟ فأثار منه كلام العجوز ما أثار، فطلق ما هو فيه، فالتحق بمدرسة (أيرازن) -كما ذكرنا- فلازم الأستاذ الشهير سيدي الحسن التملي، فافتتح المتون بهمة عالية، وإكباب ملح، إلا أن في أخلاقه حزونة، فقد كان يثور لأدنى شيء، وهو إذ ذاك لا يزال في شرة شبيبته، فأرسله سيدي الحسن إلى الأستاذ سيدي أحمد الحنكيري من (أيت يحيا) السمكي، وقد تَخرج وشيكًا من عند الأستاذ المذكور، وقد كان وقع له أيضًا مثل ما وقع للمترجم، فإن أباه كان من الأغنياء الكبار، وكان أميًا وفيه همة في أن يتعلم ولده حتى يَحصل وقد كان سافر عنه ما شاء الله في مدارس القرآن، يتتبع القراءات حتى كبر، وأبوه لا يدري ما يصنع، فاحتاج أبوه يومًا، وقد زارهم ولده أن يطالع رسمًا من سلات رسومه، ففرش زربية في سطح داره على شفير حظيرة الغنم، فأجلس عليها ولده جلسة إكرام واحتفاء، كما ينبغي أن يَجلس العلماء المحصلون، فمد إليه الرسم ليقرأه فحين كان الرسم في يده لَمي در ما يقول، فقام أبوه بغيظ فتناول الزربية من تَحته بقوة فكبكبه في الحظيرة، فخرج أحمد من هناك إلى (أيرازان)، فصار أبوه يحسن كثيرًا إلى سيدي الحسن أستاذه، ويرسل إليه كثيرًا من العسل والخل الذي يَحتاج إليه لضعف بنيته، فكان يدعو لولده، ففتح عليه في العلم فتحًا كبيرًا، ثم رجع إلى داره فبنى مسجدًا إزاء داره يدرس فيه كل حياته، وهناك أخذ عنه المترجم وقد صبر لحدته، وقد حكى سيدي مالك تلميذه أن المترجم كان يصعب عليه إذ ذاك الحفظ، فكان يكتب عشرة أبيات من الألفية، فيبقى في تكرارها أزمانًا فلا يحفظها إلا بعد الجهد، وقد كان يقول آه مِما أمضيناه في غير أخذ
المعسول · الصفحة ٧٧١٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المعسولص ٧٧١٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي