والمؤرخ صاحبنا ممن سلك في كتابه (روضة الإفنان في تاريخ الأعيان)، مسلك المحدثين، وربما وقع منه بعض إفراط؛ لأنه لم يكن يعذر بعض الناس أو كان يجهلهم فيقول ما يسنح له ظنًا أو همًا، ولكنه مع ذلك كله لا يقدر أحد إلا أن يعلن أنه لا يقصد إلا ما يقصده المحدثون، وكثيرًا ما يصرح بذلك 316/13
317/13 في كتابه المذكور، فإن كان يوجه إليه لوم، فيكفيه أنه في صف العسقلاني والسخاوي والذهبي والزياني (وحسن أولئك رفيقًا).
المؤرخ الأيكراري جريء ورب الكعبة، مصرح غاية الصراحة، بكل ما يعرفه كيفما هو، فإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على شجاعة أدبية يحرمها كثيرون من المؤرخين، فيكون كتابهم كله قطعة واحدة من الاحترامات الزائدة التي تضيع معها الحقائق، وهذه الشجاعة وحدها كافية في تكوين مجد مؤثل لمؤرخنا، ثم لا يدل ذلك على أنه مصيب في كل ما قاله غاية الإصابة ولا على أنه مخطئ في الكل غاية الخطأ، فكل كلام فيه مقبول ومردود، إلا كلام الله، وكلام رسوله.
المؤرخ الإكيراري فتح بكتابه حول معاصريه بابًا جديدًا إلى الحركة حول إحياء تاريخ سوس، ثم إنه في كتابته غير جامد، لأنه يتعالى بكل مناسبة إلى النكت الأدبية، وكيف يتسرب الجمود إلى من خالطت بشاشة الأدب وفكاهته خلده، ثم إنه بذلك قلب الطريقة السوسية التي جرى عليها من قبله من مؤرخي رجال سوس راسًا على عقب، حين اعتنى بنواح لم يكن من قبله يعتني بها، كالأدبيات وإدراج كل ما سنح من مثل أو بيت نادر، أو حكاية تشرح الصدر، وكالاعتناء بالرؤساء، على حين أن سلفه من مؤرخي سوس لا يكتبون إلا كتابة جافة صوفية بحتة، لا تحس منها لحياة أدبية ركزًا ولا تلمس منها لمتعة قلبية أثرًا، وهم معذورون لأنهم ليسوا في مثل محيط الأستاذ الأيكراري، وهل يتمشى الإنسان إلا بسير بيئته؟