أكتب هذا في دار أهلي بإلغ حيث جمعت من مواد الكتاب ما جمعت وأنا في عزلة تامة عن العالم الذي يتلظى بهذه الحرب الثانية، وفي غربة أرخت على عزاليها، وأنا منفرد في غرفتي هذه البدوية الساذجة، وولدي عبد (1) الله يقفز أمامي، وأخوه سعيد المولود لنا منذ شهور، يرقد في مهده، وأمه تحركه بيدها لينام وهو لا يزال في بكاء مستمر، لكن لبكائه ألحان ونغمات، وأنا أجد منها ما لا أجده من ألحان أم كلثوم، ومن نغمات عبد الوهاب، وعادتي أن أشتغل وأفراد أسرتي الصغيرة يذهبون ويأتون حولي، وظهري إلى جدار، ففي النهار أستند إزاء قويس صغير مفتوح إلى دائرة وسط الدار، فأستمد من نور النهار. وفى الليل أستند في حجرة إلى جدار آخر وعن يساري إزاء رأسي مشكاة (2) فيها سراج من السرج المعتادة (3) ذوات الشعب الأربع وبنور فتيلته الغريقة في الزيت كتب بعض هذا الكتاب الذي سيقرأه غدا إن شاء الله من يتصلون به من أهل الحواضر الذين لا يألفون إلا الكهرباء الوهاجة، في قصورهم الشماء البهجة، وهذا وأنا أحمد الله حين وجدت الآن، هذا المنعزل في هذه الحرب الضروس التي تتموج في العالم، وتضيق على الناس بغلاء الحاجات الضرورية. فلا شمع ولا ملبوس و لا سكر. وإلى الله المشتكي، وعسى ما نحن فيه أن يكون له فرج قريب بحول الله.
20/ 276
محتويات الكتاب:
(1) استاثر الله به بعد رجوعنا الى مراكش.
(2) المشكاة: كوة غير نافذة من الجدار، وهي التي يوضع فيها السراج الصغيرة عادة عند الالغيين.
(3) هذا النوع رايته بعينه في متحف قرطاجنة، وهو مما اعتيد من عهد الفينقيين.