تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(وبعد فإن الدنيا عدوة الله عز وجل، بغرورها ضل مَن ضل، وبمكرها زل من زل فحبها رأس الخطايا والسيئات، وبغضها أم الطاعات، وأس القربات، والبغض لها والزهد فيها رأس المنجيات، فلا مطمع في النجاة إلا في الانقطاع عنها والبعد منها لكن مقاطعتها إما بانزوائها عن العبد ويسمى فقراً. وأما بانزواء العبد عنها ويسمى زهداً. ولكل واحد منهما درجة في السعادة، وحظ في الإعانة على الفوز والنجاة، والزهد فيها أفضل، لأنه من كسب العبد (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) شتان ما بين ما آتيته اختياراً وبين ما آتيته اضطراراً، ولكن لا تقف مع زهدك فإن الزهد مقام الأبرار، وحسنات الأبرار سيئات المقربين لأن الزاهد كاره للدنيا، والكاره لها مشغول بها، كما أن الراغب فيها مشغول بها، والشغل بما سوى الله تعالى حجاب عن الله، إذ لا بعد بينك وبين الله تعالى، حتى يكون البعد حجاباً فإنه أقرب إليك من حبل الوريد، وليس هو في مكان، حتى تكون السماوات والأرض حجاباً بينك وبينه، فلا حجاب بينك وبينه إلا شغلك بغيره، وشغلك بنفسك شغل بغيره، وأنت ما دمت لا تزال مشغولاً بنفسك كذلك لا تزال محجوباً عنه، فالمشغول بحب النفس مشغول عن الله تعالى، والمشغول ببعض نفسه أيضاً مشغول عن الله تعالى، بل كل ما سوى الله تعالى مثله مثال الرقيب –الحاضر في مجلس –يجمع العاشق والمعشوق فإن التفت قلب العاشق إلى الرقيب وإلى بغضه واستثقاله وكراهة حضوره فهو في حال اشتغال قلبه ببغضه، مصروف عن التلذذ 30/17

المعسول · الصفحة ٥٢٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٥٢٩٣