ثم زارني في مراكش بسبب رحلة له إلى فاس، يقصد بها أن يتجول ويرى العالم خارج مسقط رأسه، فثوي عندي ما ثوي، أيامًا قلائل، فأتذكر أننا كنا أمضيناها كلها في مذاكرات حول فنون شتى، خصوصًا في أدبيات متنوعة، فرأيت منه فهمًا صيادًا للمعالي، وفكرًا غواصًا في الأعماق يستخرج الدرر، وعقلاً مرنا في الفقهيات يقل نظيره في طبقته، كما رأيت منه قبولاً كثيرًا للازدياد في الرقي في مدارج المعارف، كما كان يحبه هو بنفسه، لو لم يكن مقيدًا بما قيدته به الأسرة، الملقى عبئها على كاهله، على أنني مع كل هذه الأعذار الواضحة أحثه على أن يتناسى كل شيء ليستتم ما لابد منه، إلا أن الدهر لا يساعف في كل وقت.
ثم لاقيته ثانيا في تزنيت، وأذكر أن روضة الأفنان للأستاذ الأيكراري رأيتها يومئذ في يده، وهي أول مرة رأيتها فيه، فكتبت عليها كتقريظ القافية المتقدمة في ترجمة المؤرخ الأيكراري، وقد تداولنا أيضًا إذ ذاك أبحاثًا طلية استفيد بها منه كثيرًا، لولوعه بالتثبت وبالمجاذبة للحبال شنشنة جبل عليها، فيوتي ذلك فوائد عظمى من مثله، فأزددت 384/13
385/13 سرورًا بنبوغ ابن الخالة، ويعجبني منه وراء ذلك ما عرف به من تعال زائد على الأدنبياء والبلداء وما أكثرهم، فلم يتماوت ولا أذل مكانته بالتواضع الزائف، إلا أنني لا أزال أحبذ له زيادة في الحواضر غير أن العذر لا يزال قائمًا.
كذلك ابن الخالة ابن عثمان، ذو الأبهة العلمية في كل أحواله، في لبسته، وفي مشيته وفي كل هيئته، وهل ذاق حلاوة العلم من لا يحجم عن مواقف المهانة.