تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما أخلاقه فإنه هين لين، يغلب عليه الحياء، وقد كان تجاوز فيه الحد حين ربض في سوس، وثافن أمثال أستاذيه ابن الطاهر والأدوزي، إلا أنه لما رجع من فاس، رجع بحالة يرجى معها كل النفع، وكثيرًا ما كنت أقول لبعض معاريفه: إن لم يأتنا من فاس إلا برفع الرأس، وملء المجلس بالمذاكرة لكفى، فإذا به آتى بذلك وبعلم جم، وإن كان بعض المغفلين 238/13

239/13 المتماوتين لا يزالون يحبون أن يتماوت كل الناس، ويرحم الله عمر، فقد رأى إنسانًا يكثر الإطراق، فعلاه بالدرة قائلاً،: ارفع رأسك، لا تمت علينا ديننا، هكذا ينبغي لكل ذي علم، ولكن الجهال لا يعلمون، ونحمد الله على أن جاء وفق ظنوننا هذا الأستاذ الكبير، فإنه مدمث الكنف موطأ الجانب، يعاشر فتحمد معاشرته، ويذاكر فتظهر دقة نظره واطلاعه، وقد أعجبني كثيرًا في مذاكرات جرت أمامي بينه وبين الأستاذ سيدي الحاج أحمد الجراري شارك فيها ابن الخالة الأستاذ ابن عثمان، فكان الجراري المطلع كثيرًا ما يدلي بما طالع من مختلف كتب، والمترجم ضم إلى ذلك تؤدة، وحسن مسلك، ومما جرى أمامي يومًا حديث حول (التوسل)، وكنت أنا أكره المماراة خصوصًا في أمثال هذه المسألة التي لا بأس بها، فتجاذب أولئك الأساتذة المباحث وتراموا بالأدلة، وأردت أن أقطع المماراة فإنها لا تأتي بخير، فبدأت أملي حول ذلك المبحث التاريخي ما مر حلوه بين الباحثين من عز الدين بن عبد السلام، وابن تيمية إلى أن انتهى البحث إلى الشوكاني والألوسي، فكان المترجم مستحضرًا لما قاله الألوسي في تفسيره (روح المعاني)، فقطعت بذلك حب المباحثة، وظهر بذلك الحق صراحًا، ولا ينبغي امتداد المباحثة بعد ظهور الحق، ومما وقعت فيه المذاكرة مسألة حول المحرم بالحج عند الحنفية، فأدلى بأحاديث استحضرها، ثم راجعناها في شرح (بلوغ المرام)، ومن ذلك أيضًا مسائل أصولية، وعرفية وفقهية، كلها أظهرت لي مكانة الاستاذ المكينة في الاستحضار، وتفهم روح النصوص،

المعسول · الصفحة ٤٤٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٤٤٦٦