ناهيك من رجل ما تلبس بشبهة، ولا طمع أحد أن يكون شبهه، ولا وجه إلى منكر وجهه، ولا خلت من محاربيه وجهة، ولا امتثل أمر مثله، ولا كلف أحد بالقناعة مثله، ولا ولع بغير العفة، ولا مد لغير الجميل كفه. قلمه يشفي الجراح، ويكفي العطشان عن القراح. تسبح أطيار لسانه للواحد القيوم، في الهواجر والغيوم. فأثمر غصن خشوعه اليانع، ولزم السكوت بالتفكر في المجامع:
له حاجب عن كل أمر يشينه *** وليس له عن طالب العرف حاجب
به فهو مائدة (بعمرانة)، لا يحاشى زيده ولا عمرانه، (فكل يعمل على شاكلته)، مر به يطلع عن سريرته وعلانيته
فالخلق لا يرجى اجتماع قلوبهم *** لا بد من مثن عليك وقال
أعتق عبيده كلهم على ما قيل، فكان كما روي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " الذي يعتق عند الموت كمثل الذي يهدي بعد ما شبع "، (إلى أن قال): قرأ في (فاس)، وأخذ في شئونه بالقسطاس، وعلم كيف يسوس الناس، يتلقى ملاقيه بالبشاشة، وسلمت سريرته من غشاشة، فيا له من نجم هوى، ومنار خوى، تبكيه المعالي، وحنت إليه المغاني. حنكته التجارب، وقضى بحلمه المئارب، أتاه هاذم اللذات، ولم يراع من ذويه رسيس المودات، فأدى ما وجب، وبرسوله رحب، وذلك في الثاني والعشرين من ذي الحجة الحرام عام خمسين وثلاث مائة وألف، وقد رثوته بأبيات على المألوف لذوي البيوتات، فقلت:
أرى كل حي للفناء يصير *** فليس لحي للبقاء سبيل
وإن منحت له الحياة مديدة *** فللبدر من بعد الضياء أفول
لذاك فهذه الحياة سحابة *** لصيف على بغت الظهور تزول
ألا فاعتبر بكل خل مصاحب *** أجاب الندا إن المقام قليل
بني صالح قد ثل عشر مقركم *** فصبر الخطب حل وهو ثقيل
(بعمرانة) هبلتم فلتقرضوا *** قلوبكم إن المصاب جليل
وحق لجفن العين إدرار دمعه *** على من بفضل للخصوم كفيل
وقالوا بكى على الكريم كرامة *** وأي كريم غاب عنه عويل؟
249/10
250/10