(أما بعد، فهنيئا لكم بدروسكم المتوالية، وأفهامكم الهاصرة فالجانية، وأما نحن ففي سموم، وظل من يحموم(1)، وقد دميت الأصابع بالحصاد(2)، وليعن الله كل من هو حصاد، وما كنت أدري ما معنى: صكة عمى(3)التي أفدتنيها يوما، حتى كنت في صيف هذه السنة الحارة الشديدة، قاسيت ما أذاب مني عصبا والفقيه يوالي علينا من النعم كل يوم، ما لا يقدر عليه أكرم قوم، لكن ما أصدق الشاعر:
خبز وماء وظل *** ذاك النعيم الأجل
جحدت نعمة ربي *** إن قلت إني مقل
فأعطني هذه الثلاثة، وزدني معها الرثاثة، مع ما تيسر من الدروس، مع مثلك من الشموس. ثم أقول لك: إنني في أكمل منى النفس، في جنة الفردوس، ولعل الله ينفعنا بخدمة شيخنا، فخدمة الأشياخ واجبة، فمن يتنكبها فإن دموعه ستكون على خيبته ساجمة(4)، والسلام عليك يا قرة
220/10
221/10
العين، وصرة العين(5)، ونور العين(6)، وينبوع العين(7)، ومن هو لروحي العين(8)، يدوم عليك هاطلا بشرط أن لا تكون لجواب ماطلا.
وكتب، أيضا، إلى بعض أترابه من قطعة اخترنا منها ما يأتي:
أخلاي هل بعد التفرق من أنس *** وهل في طلاب الوصل للصب من بأس؟
وقد كنت فيكم في هناء وغبطة *** وفارقتكم والدمع ينهال كالطيس(9)
وقال يخاطب أستاذه أبا الحسن الإلغي:
أيا راكبا يزجي المطي إلى إلغ *** لقيت الهنا سلم على السيد البلغ(10)
(1) السموم ـ الريح الحارة، واليحموم ـ الدخان.
(2) كان من عادة الطلبة مدارس سوس ـ أن يخدموا أساتذتهم، ويكفوهم كل شيء، ليتفرغ الأساتذة إلى الدراسة، والطلبة بدويون من جنس العملة.
(3) الصكة بالفتح ـ شدة الهاجرة، وعمي بالتصغير ـ رجل من العمالقة أغار على قوم في هاجرة فاجتاحهم، فنسبت إليه الهاجرة.
(4) ساجمة ـ سائلة
(5) العين الثانية: الذهب
(6) الشمس
(7) عين الماء
(8) الذات، وقصده ـ الجناس بمسميات العين
(9) الطيس بفتح الطاء ـ الرمل
(10) البلغ بفتح الباء وسكون اللام ـ البليغ