تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكثيراً ما يقع مثل هذا لمن استولى الشيء على شعوره عشقاً كان أو همّاً، فإنه يفجأه مثل هذا أحياناً، وليس ذلك بعجيب ولا المحدث به يخوض في مخاضات المحال، إنما العجيب أن يستحيل هذا الهاتف شاعراً، إذا كان يعلم إنه يخاطب من يستحلي أن يخوض في بحور المفاعيل، ولله في خلقه شئون تتضاءل إزاءها ألباب ذوي الألباب، وإن كانت في الحصافة بالمكانة المرموقة (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) -والله على كل شيء قدير- تأتى للأستاذ أن يعمل الرحلة في السنة نفسها، فاستقلت به إحدى البواخر، فكان هو وطائفة من تلاميذه توجهوا لوجهته يتدارسون العلم على العادة، والغالب أن تكون الدراسة في علوم المناسك، وفي الرقائق التي تهذب القلوب، وتثير مشاعر الإيمان في المؤمنين، كما هي عادة الحجاج إلى الآن، وليس ذلك بعجيب كما أراد المتحدثون أن يوهموا به من يحدثونه، وربما يكسون أحاديثهم بحلة أخرى، فيقولون: إن والده كان قال له: لا بد أن تدرس العلوم فوق الماء، وأن يأتم بك سلطان في عصرك في أشياء أخرى يزيدونها، ولم يصدق منها سوى هاتين، وأنا أستبعد أن يكون الشيخ عبد الرحمن ممن يتحدث بذلك؛ لأنه لا فائدة فيه لا دينية ولا دنيوية؛ ولأن حالته تبعده عن الخوض في مثل هذا، اللهم إلا إذا كان لذلك داعٍ خاصّ، فإنه غير منحي عن أن يكون أحد محدثي هذه الأمة ما دمنا نجعل ذلك ناشئاً عن صفاء القلوب والنفوس، ونتنكب عما يقوله الصوفية من أن الكشف للرجال الأكابر مثل الحيض للنساء، فإنه وإن أعفاهن من الصلاة والصوم ومناجاة الحق جل جلاله فيها، ولكن ثبت ذلك في الحديث [قد كان فيمن كان قبلكم محدثون، فإن كان فيكم فعمر].

وقد حدثني بعض الثقات أنه مر بالمترجم في طريقه إلى الحج، قال: فأعانني بما تيسر، وحثني على العزم، وحكى لي عن والده عبد الرحمن أنه كان يتأسف في شيخوخته على ثلاث فاتته في شبابه، منها تركه للحج حتى ضعف بالكبر.

المعسول · الصفحة ٢٦٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٢٦٦١