تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فنزلت عند إشارته، وختمت على فاتحته، فما مررت ببيت أستحسنه إلا حفظته حفظاً جيداً، فأكرره حتى يرسخ، ثم لا علي بعد ذلك، فكثيراً ما أنسى بيتاً سنين، ولا يخطر لي في بال، حتى أقع على معناه في بيت آخر أو في جملة فينقدح به قلبي فيحضر، ولكن لا يكون كذلك إلا إذا كان عذب اللفظ رائق المعنى، وأحسب أنني ما أدركت كيف علم البيان إلا بالأدب، ولذلك تسنى لي أن أكون دائماً معتمداً على فهمي في شيء، فإذا خالفني مخالف أيّاً كان فإني لا أنقاد له باطناً ولو سلمت له ظاهراً حتى أدرك المقصود، وقد تطبعت بذلك حتى في الفقه، فأكره شيء عندي تلك المسائل التي يذكرون أنها تعبدية، حين أفتش بنفسي فلا أرى لها مسيغاً مدركاً، فحيناً أسلم تسليم من لا يبصر، وأسكت حيناً وفي نفسي ما فيها، وأعرف علماء أذكياء ليس هذا المقام مما لهم، فأتعجب كيف يفهمون، وأحسبهم طبعوا على التقليد في الفهم، فهم جاهلون على حين أنهم يزعمون أنهم يفهمون، وأمثال هؤلاء ضرر على من يأخذ عنهم، كما أنه لا ينبغي أن يتعرضوا للفتوى، خصوصاً الفتاوى التي ليس فيها نص صريح، فتراهم يشرقون ويغربون في مسألة واحدة في تقرير معنى واحد، فيتناقضون وهم لا يشعرون، وما زهدني في الفتوى إلا أمثال هؤلاء؛ لأنك لا تقدر أن تسكتهم ولا أن تفهمهم، فتقع معهم فيما لا تحمد في عرضك أو دينك.

والحاصل أن ما زعمت أنك رأيته مني إن كان صادقاً في فإنما أصله علم الأدب فهو الذي يرقق الشعور ويرهف النظر، ويحدد الفكر، والعجيب أن هذا العلم كما يؤثر في العلم والنظر يؤثر كذلك في الأخلاق 68/6

المعسول · الصفحة ٢٦٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٢٦٤١